Atwasat

حوارية العصر الغائبة

رافد علي 5 أيام
رافد علي

المرحوم جورج طرابيشي يظل من أهم الأسماء التي ارتبطت بنقد مشروع نقد العقل العربي للمفكر الراحل محمد عابد الجابري وأبرزهم تفكيكاً له من منظور شمولي ونسقي. إلا أن الحوار بين الرجلين كان في حكم العدم، أو كما وصفه الدكتور إدريس جبري عميد الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية في المملكة المغربية بأنه "نوع من الحوار المعطل، يحضر بغيابه ويغيب بحضوره".

من أبرز القضايا المعاصرة التي يتجلى فيها عدم توافق الرجلين قضيتا العلمانية والديمقراطية. فالجابري لا يميل للعلمانية إذ يراها نتاج فكر أوربي استوجبته تراكمات الحضارة الأوربية التي أمضت قرنا من الزمن في حرب دينية خاضها الكاثوليك والبروتستانت، مما استوجب عزل السياسة عن الكنيسة، أو العكس، لخلق تسويات السلام بالقارة، ولهذا يستبعدها الجابري من مشروعه القائم أساساً علي تبيئة المفاهيم المعاصرة في حضارتنا "فلا كنيسة في الإسلام" كما أعلن الجابري في صحيفة "اليوم السابع" في حوارية مع المفكر حسن حنفي. طرابيشي لا يعتد بهذا الطرح بالمطلق قائلاً:
"فتعريف العلمانية بأنها فصل الكنيسة لا الدين، عن الدولة كان يخفي موقفاً مسبقاً. فصحيح أنه ليس في الإسلام كنيسة-ا للهم في الإسلام الشيعي- ولكن الإسلام، علي الأقل في الشكل التاريخي الذي تجلى به، هو مثال ناجز لدين لا يفصل بين شؤون الدنيا والآخرة. وحصر العلمانية بكف يد الكنيسة، دون الدين، عن التدخل في شؤون الدولة معناه إبقاء حدود الدولة مفتوحة أمام ذلك الدين الذي لا كنيسة فيه وهو الإسلام". ويصف طرابيشي تبني الجابري لاستبعاد العلمانية من منظومتنا، رغم تجذرها في الإسلام أكثر من المسيحية، بأنه يأتي كأحد التنازلات من الجابري، كمفكر عربي، للصف الأصولي، كما جاء في حوار صحفي مع جورج طرابيشي بعد وفاة الجابري *.

في كتابه هرطقات 2*، يرى طرابيشي أن العلمانية قضية إسلامية مسكوت عنها، لأن البعد الطائفي وصراعاته في العالم الإسلامي من المكبوتات، ويستدل بانفجار الوضع الطائفي في العراق بعد الاجتياح الأمريكي بأنه دليل علي حدثٍ قدم المناسبة لانفجار الطائفية، ولم يكن عاملها على صعيد السببية، فأمراضنا الذاتية كعرب لا حاجة لتعليقها علي مشاجب الغير. فالصراع السني الشيعي ممتد لقرون عديدة عززتها اليوم أقدار الجيولوجيا بالغنى النفطي على ضفتي الخليج. وبقوة يطرح جورج العلمانية مقترنة ببرنامج "بيداغوجي طويل النفس" لتكون علاجاً لمجتمعاتنا الطائفية أو المركبة، من خلال جعل العلمانية أفقية التوسع عبر احترام الآخر، "والاعتراف بشرعية تعدد الطوائف، والاستبعاد الجذري للاهوت نفي الآخر والمختلف". وفضلاً عن ذلك ينادي طرابيشي بذات الكتاب بضرورة علمنة الدين، فالإسلام "هو من أحوج الأديان اليوم إلى الفصل فيه بين الزمني والروحي. فأصل الانقسام الطائفي في الإسلام سياسي وليس دينياً."

أما عن الديمقراطية فهي نقطة يتفق كلاهما على حاجة العرب لها في عصرنا الحالي. فالجابري يرى ضرورة تبنيها من خلال أسلوبه المعروف بـ "التجديد من الداخل" ضمن ثقافتنا من خلال صرف النظرعن نظرية الإمامة في الفكر الإسلامي المعتمدة على بيعة العقبة، والتركيز علي صحيفة النبي التي صكها حين وصوله إلى المدينة*، واصفاً الديمقراطية بأنها ستكون عملية ذا ميلاد عسير، في حين يرى طرابيشي الأخذ بالديمقراطية بلا أي ترددات، كما يذكر إدريس جبري في ورقته البحثية" الحوار المعطل والنقد المعطوت".*

المتتبع لنشاطات طرابيشي الكتابية والفكرية يلاحظ أنه لم ترُق له "لعبة الصمت البارد" التي مارسها المرحوم الجابري تجاهه رغم الثناء الذي أبداه على مجهودات الجابري في بداية تفاعله مع مشروع نقد العقل العربي معتبراً الجابري "الأخ المؤمثل" مما دفع طرابيشي لشخصنة المسألة عبر نقد تفاصيل وجزئيات التفاصيل في مشروع الجابري.

لقد انقلب إعجاب طرابيشي بمشروع الجابري إلى جفاء ظاهر وعداء بيّن، مما جعل حالة التناظر اللامباشر بينهما نقداً آيديولوجياً مغتالاً بذلك حالة النقد الابستمولوجي "المعرفي"، رغم الترابط الفكري بين الرجلين ووحدة المنطلقات والمقاصد والقواسم المشتركة ببؤر التفاصيل الجذرية في محنة العقل وإشكاليات النهضة لاُمتنا.

فالعقل العربي المستقيل في محورية النقاش بينهما فيه لمحة أخرى بارزة في تحليلهما للمعوقات الأساسية في محنة عدم النهوض في عالمنا. فالجابري يشرح أن العقل العربي استقال جراء "العامل البراني"، أي جراء غزوة خارجية من الهرمسية والغنوصية والأفلوطينية المشرقية، في حين طرابيشي يرجع استقالة العقل للـ "عامل الجواني"، إذ يرى أنه لا يمكن لأي عقل أن يُغزى من خارجه وأن يُجبر علي الاستقالة من خارجه إذا لم تكن له القابلية الذاتية. فالعقل يستقيل نتيجة الآليات الداخلية أولاً. بكلمة أخرى، الجابري عند طرابيشي يقف علي حالة الاستقالة للعقل العربي من المظهر الخارجي فقط.
التركيز علي تفنيد الجزئيات والهوامش الجانبية كان الرماد الذي تحصل عليه القارئ والمثقف العربي بعالمنا المشخصن بالتجاهل التام من جهة، والجفاء العارم من جهة أخرى على مستوي عقول أمتنا المأزومة، وتبني العداوات لمجرد عدم التوافق من جهة ثالثة، ولعل هذه ظاهرة تستحق الوقوف عندها في ثقافتنا التي مازال يغيب عليها الإيمان بأن الاختلاف في الآراء يعتبر قيمة حيوية لأي بناء نهضوي، وأنها عنصر مهم في ثقافة الإنسان المعاصر.

لقد غابت حوارية حية بين طرابيشي والجابري بما يملكانه من نظرة عميقة لهمومنا وقضايانا المعاصرة باسلوبهما السهل والمباشر، كونهما امتلكا مهارات الكتابة من خلال ممارستهما للعمل والكتابة الصحفية بما يسهل عليهما الوصول للقارئ العربي.

لقد تأجلت الحوارية المباشرة بين الرجلين في حياتيهما رغم الزمالة والصداقة بينهما. لقد غابت ذات الحوارية برحيلهما والتي لم يعد لنا فيها إلا الرجوع لكتبهما العديدة والمتشعبة للاستخلاص والمعرفة. لقد غابت الحوارية المباشرة التي كانت الحوارية الأهم في عصرنا، لكونها حوارية تدور في قلب المحنة المعاصرة ومن شأنها أن تفتح فصولاً جديدة في رحلة التحديث والعصرنة.

هوامش.
1. قراءتي لأعمال الجابري كانت حواراً بلا حوار.. مركز الجزيرة للدراسات. مقابلة أجراها الصحفي هادي يحمد مع جورج طرابيشي.
2. هرطقات 2.عن العلمانية كإشكالية إسلامية-إسلامية. دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب. بيروت. ط1. 2008.
3. في نقد الحاجة إلي الإصلاح. د. محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. ط1. 2005
4. الحوار المعطل والنقد المعطوب في مقاربة الخطاب الفلسفي لمحمد عابد الجابري. التراث والحداثة في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري. كتاب جماعي تحت إشراف وتقديم :د.محمد الداهي. منشورات دار التوحيدي. الرباط. المغرب.2012