Atwasat

أصنام ذهنية

رافد علي الإثنين 04 يناير 2021, 02:00 صباحا
رافد علي

العلاقة بين الإله والحاكم ممتدة في تراثنا الثقافي البعيد، منذ أن كان الحاكم هو ذاته إلهاً. و في تراثنا الأقرب منه، فإن الحاكم هو "ظل الله على الأرض"، والفرد منا "لا يفهم الحضرة الإلهية إلا بالتمثيل بالحضرة السلطانية" كما قال "حجة الإسلام" الغزالي حين أراد "إلجام العوام عن علم الكلام"، معللاً ذلك بقوله "الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". حالة صبغ القدسية جلية في مفردات الشيخ الغزالي في شكلها الدلالي المجرد، مالم نقل إنه يتحرك ضمن المبدأ السلفي الشهير، والقاضي بعدم الخروج علي ولي الأمر، لأن الصنمية راسخة في العقلية العربية رغم الاسلام. باختصار شديد؛ عقليتنا هكذا هي صميمة للصنم بالمعني المختزلي للأشياء.

لقد هُدمت الأصنام والأوثان في حضارة الإسلام، لكن أصناماً ذهنية ظلت حبيسة بعقليتنا، وبقيت أجيالا منا مخلصة لهذه الأصنام الذهنية في ذاكرتنا وعلي مستوى وعينا، وكأنها أمانة تتولى مسؤليتها من جيل لآخر. أوثان القبيلة بطوبايتها ومنظومتها الجامدة، التي ترى أن الخروج عنها يشكل انزلاقاً للعدمية، رغم أن الأخلاق والقيم أمست مكفولة بنهج العقيدة الدينية بمجتمعاتنا.

أصنام بايكون يمكن إسقاطها بسهولة على منظومتنا مع الفارق في المعطيات الثقافية، وفي عنصر الزمن، ففي ذاكرتنا نظل سجناء ماضينا التعسفي، والمهلل لحاكمنا باعتباره "المخلص"أو" المهدي المنتظر" رغم الجمود في المعاش و تراكم الأهوال ومرارات الانتظار. تلاشت الحرية الفردية لأن الفرد أسير الجماعة في قبيلته، أو كفرد من الرعية في موطنه، وتتجلى هذه الأفكار على مستوى اللغة الشائعة بين الناس كالصبر والتصابر وعدم الخروج على السلطة، أي سلطة كانت، فجرم التمرد جناية في حق الجماعة و"الله غالب علينا".

في ليبيا حينما تشاع عبارة "المهم أن الطاغية مات" فهي حالة انجرار نحو العدمية بالمعنى المجرد، وبعيدا عن أي فلسفات، كون أننا نترك بلادنا في حالة لامبالاة، وهي تحترق في حرب، وتغرق في فوضي على كل المستويات، مبالاة بلا وازع أخلاقي محايد، أو أي وازع عقائدي صميم، دين دوت مآذنه مغازلة مخيالية القوم بسقوط "الطاغية" أو صنم آني حينها، وهي ذات المآذن، التي لم تتحرر من عقدة الصنم كموروث ثقافي في وعينا الذي لازال رهين جاهلية لازالت تحكم عقليتنا العربية أسيرة "القبيلة والغنيمة والعقيدة".

ظهر مصطلح الأصنام الذهنية عند بايكون مؤسساً للوضعية المتمردة علي النهج الفكري القديم المبني علي الأرسطية بحيث نادى بالنهج العلمي في الحياة منتقداً الأصنام الذهنية التي حددها في صنم القبيلة بسلطانها المادي والمعنوي في المجتمع. وأصنام الكهف التي يوضحها بعصبية الفرد الذي يبنيها لفكره بكونه عضوا في قبيلة يتشرب أخطاءها ويتعصب لقبيلته بما يفسد نور عقله الممنوح له ربانيا. وأصنام السوق التي يغلب فيها الكلام والسفسطائية وتجنب التفكير، وأصنام المشهد أو المسرح التي ينتقدها بايكون لكونها "الفلسفات الكبرى" التي كانت سائدة حينها ولا تمنح العلم مكانا بارزاً في الحياة.

المفكر الايراني الأصل داريوش شايغان صاحب كتاب ما الثورة الدينية، أول من طرح مصطلح حوار الحضارات، حاضر في باريس والولايات المتحدة حول الأصنام الذهنية، وأصدر كتابا بخصوصها في مشروع مقارنة الحضارة الآسيوية مع الحضارة الأوربية. داريوش تشبع بعض المفكرون العرب بأفكاره كدكتور في الفلسفة، وبرزت أفكاره في كتاباتهم بشكل متفرق كالمفكر المرحوم محمد أركون.