Atwasat

جامع المختلف عليه!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 29 ديسمبر 2020, 08:13 صباحا
أحمد الفيتوري

كنت في مقتبل العمر لما أصبح الكاتب نجما، وكان هذا الكاتب هو الصادق النيهوم، من بحق كان آنذاك نجم النجوم، فهو أكثر شهرة، في أوساط عامة، من لاعب الكرة والمطرب. فمقاله ما حينها ينشر، بالعدد الخاص كل سبت من جريدة الحقيقة الليبية، يجعل من يريد نسخة يقف في طابور، وكنت إن لم أحضر باكرا لا أحصل على نسخة. ومن الغرابة في مدينتي بنغازي، أن البعض كان يتباهي بحمل عدد الجريدة، ما كتب فيه النيهوم تحت إبطه متباهيا، وهو الأُمي من لا علاقة له بالقراءة ولا الكتابة، أما الأكثر غرابة، فإن أحدهم انتحل شخصية الصادق النيهوم، وهو يتقدم لخطبة فتاة، كان يحبها وهي تحب كتابات الصادق النيهوم.

منذ ذاك كان في ذهني، أن أكتب عن هذه الظاهرة كتابا، لم يتسنّ لي ذلك حتى الآن، وإن كتبت أكثر من مقال ودراسة، ولقد شغلت بنتاجه كمبدع بالذات، ولهذا عنيت بالكتابة عنه فيما يخص سرده ومقاله النثري، فهو بارع فيما يخص الأسلوب، ولغته إضافة في اللغة العربية، وهذا جعلني من أكثر المهتمين بفنه، حيث تركز الاهتمام بفكره.

وأخيرا لقد تسنى لي إصدار كتاب كمحرر، بحثت عما كُتب عن الصادق النيهوم، بالإضافة إلى ما كتبت، فكان كتاب:" الصادق النيهوم جامع المختلف عليه"، وهو بحق كتب في المُختلف عليه، وكان هو أيضا الكاتب المُختلف عليه، وكما كتب عن الجامع، كان الجامع المختلف عليه.

وقبل أن الكتاب يجيء مع الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل الصادق النيهوم (15 نوفمبر 1994م)، حيث تم إحياؤها كما لم يحدث قبل، على المستوى العربي، وفي ليبيا على الخصوص، بكتابة مقالات ودراسات، وإصدار ملفات بالصحف، وحتى احتفاء شخصي من بعض محبيه. ما بين أن الزمن والرحيل، وكد أهمية أطروحات النيهوم، خاصة بما تثيره من جدل، حتى أن الصادق بهذا، كما جامع للمختلفين حوله، فأطروحاته مع الزمن، كما الحجر ما يُرمى في بركةٍ راكدة، وأنها نبيذٌ معتق، ما رائحتهُ تكثفُ شهية النقاش والحوار الدائمين.

أما بعد، فإن الكتاب مختارات، من زاد كثير نتج، عن النيهوم وعن أطروحاته، وكما كل مختارات، فيها المختار، محصور في إطار كينونته، بما لديها من قدرات، وبما ينقصها أكثر، وعليه يكون الكتاب بقدر رحابته، ضيقا بإطار كينونة معد مادته، خاصة وأن ما كُتب غزير ومتنوع، ما لا يمكن أن يضمه كتاب، ولا بمقدرة فرد الإلمام به، لذا فإنه كما عتبة في مجال النيهوم.

أما عن المبررات، التي منحها معد مادة الكتاب، لنفسه، والمنطلقات التي أسس عليها محتواه، فهي ليست بالكبيرة ولا الكثيرة، حيث تنحصر، إضافة إلى أنه الكتاب الأول في مضماره، في:
أولا: أن مختارات الكتاب كما خلفية، أو اختزال، يمنح قارئه شيئا من المعرفة بالكاتب الصادق النيهوم، وما أثاره في مجالي الأدب والفكر، من نقاش وحوار، وحتى يسلط الضوء على شخصه، ورؤية الآخرين له كمفكر ومبدع وكشخص، فشخصية النيهوم أيضا شخصية متميزة.

ثانيا: الصادق النيهوم، الصحفي المثابر، فالناشر المميز، صاحب الموسوعات، أضافة لكونه المفكر والمبدع، بقى فاعلا يمكن بعد رحيله أكثر، لهذا اهتممنا في مختارات الكتاب، بهذه الجوانب أيضا، فاخترنا بعض المقالات الصحفية المثيرة، ما تُذكر بمقالاته الصحفية، التي نُشرت في ذكرى رحيله، وفي غير مناسبة.

ثالثا: يدرك القارئ الحصيف، من يتصفح الكتاب فقط، ما يضم الباب المسمى بالوثائق، أن الكتاب كما وثيقة عامة، تجمع وثائق تدل على الصادق النيهوم، وتؤشر، إلى أنه مبدع ومفكر إشكالي، مثير للاختلاف حوله وأطروحاته، كما يمس ما لا يمس، وشغل بالمختلف عليه، منذ نعومة فكره، وبدء إبداعه.

إذا لا يزعم الكتاب شيئا، غير أنه كما عنوان، كتاب النيهوم: (تحية طيبة وبعد)، وقد صدر عن مجموعة الوسط، ضمن "كتاب الوسط"، ما أني المحرر المسئول على إصداره، وصدرت طبعته الأولى في سنة كورونا 2020م، في أكثر من 500 صفحة من القطع المتوسط، وضم كتابات لأكثر من ثلاثين كاتبا عربيا، وكذا أول وآخر مقال للصادق النيهوم، ما نشر له أيضا بعضا من رسوماته، و أول مقابلة صحفية أجريت معه، وكان أجراها الكاتب إبراهيم الكوني.

لاشك أن مفكرا ومبدعا كهذا يمكن نشر كتب عدة، كما يحتاج إلى الدراسة والبحث، خاصة من قبل المراكز البحثية والجامعات، وقد أعدت حوله العديد من الدراسات والرسائل الجامعية في أكثر من جامعة عربية، كذلك ترجم شيء مما كتب، لكن ذلك يوكد أهمية أطروحاته وطرق كتاباته، وهذا ما جعل منه جامع المختلف عليه.