Atwasat

علي عميش .. أصالة الثقافة

سالم الكبتي الأربعاء 16 ديسمبر 2020, 01:56 صباحا
سالم الكبتي

كانت بعض مرابيعنا تتوهج ثقافة .

تتردد فى أركانها الأحاديث والنقاشات الجادة. كانت صالونات ثقافة ولم تكن في أغلبها أماكن للهدرزة أو اللقاءات العادية. وكان ثمة جملة من المقاهي المنتشرة فى المدينة مفعمة بالحوار والثقافة. وإذا كان أهل الخليج العربي يتميزون بالديوانيات ويلتقون بها في كل المناسبات وتشهد بدورها العديد من الحوارات اليومية والسهرات، فإن المرابيع والمقاهي لدينا تعد فى جانبها الآخر صالونات أدبية عن حق. فى المرابيع والمقاهي يتحلق الأصدقاء ويناقشون آخر الإصدارات وماتنشره الصحف وما يتردد فى المحاضرات وما تنقله الإذاعات من أخبار وتحليلات وبرامج. كانت المقاهي والمرابيع دائما فى موقع الحدث. إنها تضج بالحياة والحركة والفكر.

ومن الأصدقاء.. أصدقاء المرابيع الثقافية والمقاهي تكونت النخب الفكرية والثقافية الناضجة التي رأت فى الثقافة نتاجا يتواصل مع المجتمع والناس. الثقافة البانية للإنسان وعقله.

برزت من بين تلك النخب الكثير من الأسماء التي قامت بأدوار مهمة فى الثقافة والسياسة والفن والاجتماع والرياضة والإدارة، وكل شئ يتعلق بحياة المواطن اليومية. كانت البيوت والمرابيع تنهض وتستيقظ في شوارع ودروب المدينة على صور وأشكال التفاعل الثقافي الفكري كل يوم.

وعلي عميش المثقف الأصيل في مقدمة هؤلاء. كان مثلا واضحا لمثقف المدينة الكبير والناضج الذي يمتلئ حيوية ومعرفة. يستفيد ويفيد بهدوء ودون عناد. صقلته الأيام بتجاربها وظل يجيد الحوار والنقاش والقراءة. لم يستعرض ثقافته أو يتباهَ بها. لم يعتبرها ترفا. الثقافة في رأيه حياة وتواصل وعطاء. إذا تحدثت عن علي عميش فإنك تتحدث عن الثقافة الراقية والفكر الحي والنقاش الواعي والحرية والتواصل مع الآخرين دون فرق وبكل محبة وود.

علي عميش عنوان راق لمثقف المدينة الحقيقى الذى كون نفسه مع جيله فى ظروف معيشية معقدة شهدتها ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية. كان هناك شوق للقراءة والمعرفة وكان جيل الرواد ينير الطريق أمام على عميش ورفاقه. طالب الرويعى وخالد زغبيه ومفتاح السيد الشريف وعبد المولى دغمان ومصطفى الشيباني وغيرهم. فى مرحلة قسم الثقافة ثم الثانوية في بنغازي كان مع زملائه محمد الجهاني ومحمد القزيري وعبدالحميد الطيار ومحمد بالروين وغيرهم، وفى القاهرة حيث درس الاقتصاد وعاد خريجا عام 1959 كانت هناك الآفاق رحبة أمامه ومع كل زملائه في نادي ليبيا الثقافي ونشاطاته وبرامجه في موقعه بالعتبة قرب مقهى البرلمان. جيل التقى من كل ليبيا وكان هناك علي عميش من بينهم مع كامل المقهور وعلي وريث وعبدالحميد البكوش وإبراهيم الغويل وعيسى القبلاوي وعلي بوزقيه وعبد الحميد النيهوم والعديد من الأسماء.

وفي الاقتصاد كان علي محمد عميش مثقفا وسط إدارتها يقودها بعقلية المثقف قبل الموظف وفي كل مهامه التي قام بها فى الخارج كان مثقفا راقيا. وعندما اختير وزيرا كان مثقفا وكذا عندما كان سفيرا. ثقافته ومعرفته تعلو منصبه. وفي طرابلس وفي بنغازى كان المثقف الوطني مع زملائه في جمعية الفكر وفي ندوة صحيفة البلاغ وفي ندوة الإذاعة في حواراته مع زميله بلقاسم بن دادو. كان في كل نقاشاته لايتعصب لرأي أو يعاند في الفراغ. مثله الأعلى عبارة ترددت في أذنيه من أستاذه المصري والشاعر في بنغازي أيام الدراسة.. علي محمد حمد مفادها دافع عن رأيك بدون تردد أو خوف.

علي محمد عميش الذى غلبت ثقافته مناصبه ومسؤولياته وانعكست على ذاته كتاب مفتوح يستفيد منه الوطن وموسوعة تمشي بهدوء، سيظل صورة جميلة لا تشوهها الرداءة فى زمن أشباه المثقفين.