Atwasat

أناشيد «غير» وطنية!

جمعة بوكليب الخميس 03 ديسمبر 2020, 02:59 صباحا
جمعة بوكليب

كنتُ أفكر في كتابة مقالة عن الأناشيد الوطنية العربية، والعلاقة بينها -إن وجِدتْ- وبين الواقع الحالي في بلداننا العربية، وكذلك، مدى إمكانية استبدالها بأخرى، تعبّر عن واقع الحال والطموحات. وفي الآونة الأخيرة، وجدتني، أكثر استعدادًا للاقتراب من إجابة لسؤال رئيس: هل تمثل الأناشيد الوطنية العربية الواقع الحياتي في المجتمعات العربية وتطلعات شعوبها، أم يتوجب تغييرها، أو التخلص منها كلية؟

لجأت إلى محرك البحث غوغل، على أمل أن أتمكن من تكوين فكرة عامة، وخلفية تاريخية تساعداني على الولوج لفكرتي، بمدخل يقود إلى الاشتباك معها منطقيًّا، وبعيدًا عن الانفعال. تبين لي من البحث الأوّلي أن دولة واحدة، على الأقل، وهي دولة قبرص، ليس لها نشيد وطني. وأن ثلاث دول لها نشيدان بلغتين مختلفتين وهي نيوزيلندا والدنمارك وكندا. وأن أربع دول لها أناشيد وطنية دون كلمات هي سان مارينو، وصربيا، والبوسنة والهرسك، وإسبانيا، وأن أميركا خلال تاريخها غيّرت نشيدها الوطني خمس مرات.

النتائج الأولية، أعلاه، شجعتني على الخوض في الموضوع بأريحية، واتضح لي معقولية سؤالي. فإذا كانت قبرص قادرة على الوجود والعيش على الأرض، مع باقي دول العالم، من دون نشيد وطني، فبإمكاننا نحن العرب ذلك. وإذا كانت صربيا وسان مارينو وإسبانيا قادرة على التكيّف حياتيًّا في بلدانهم مع أناشيد خالية من كلمات تنفخ الرؤوس والقلوب، فبإمكاننا نحن العرب التكيّف مع أناشيد وطنية مثلها، من دون كلام أجوف بلا معنى. وإذا كانت أميركا قد غيّرت نشيدها الوطني خمس مرات، فبإمكاننا أن نغير أناشيدنا الوطنية مرة كل خمس سنوات، على سبيل المثال لا الحصر.

وحسب علمي -قابل للخطأ وللصواب- فإن الأناشيد الوطنية العربية ظهرت في بدء مراحل نيل الدول العربية استقلالها من الاستعمار الأوروبي «باستثناء مصر»، أو خلال مراحل الكفاح ضده «تونس والجزائر». ورغم تبدل الأحوال، وانتهاء مرحلة الاستعمار والاستيطان الأوروبي «باستثناء فلسطين»، فإن تلك الأناشيد الوطنية واصلت حضورها بشكلها القديم، ولم تتعرض لتغييرات، على عكس الدساتير، وأنظمة الحكم. نظام القذافي استبدل النشيد والعلم ونظام الحكم، وألغى الدستور وهو استثناء ملحوظ. أضف إلى ذلك، ما حدث من تطورات في الواقع الحياتي لتلك الشعوب، وما استجدّ فيها بعد الاستقلال من صراعات على السلطة وفساد، وما شهدته من حوادث تتسم بعنف وبحروب أهلية، استلزمت توجه معظم الحكومات «الوطنية» لتلك البلدان، إلى تبنّي نهج استبدادي في العلاقة بمواطنيها، قلب بدوره نمط العلاقة بين الحاكمين والمحكومين. فالمواطن الذي كان محكومًا بقوى أوروبية خارجية، طيلة عقود زمنية طويلة، كان يتوق طوال تلك الفترة للتخلص منها، واستعادة حريته وبلاده. ولذلك، انخرط في صراع ضدها، على كل المستويات، ومن ضمنها العنف المسلح. وحين، أخيرًا، نالت البلاد استقلالها، وتخلصت من استعبادها، تولى أمرها أناس من أهلها، بعضهم من قادة حركات المقاومة، وآخرون جاءت بهم تسويات ومفاوضات سياسية من وراء كواليس وأبواب مغلقة. الوضع الجديد استلزم تأليف وتلحين أناشيد وطنية، ووضع دساتير، وقوانين.. إلخ. وما حدث بعد ذلك، من تطورات وتقلبات وحوادث، في كل تلك البلدان، فإن القُرّاء ليسوا في حاجة إلى تذكيرهم. لكن ما يهمُّ هو أن العدو الخارجي ممثلًا في الحكومة الاستعمارية لم يتلاشَ، وبمعنى آخر أصح، تحول إلى شكل آخر، يتشارك مع المواطن في اللغة والدين والتقاليد والأعراف والانتماء لتلك البقعة الجغرافية، ويختلف معه في شيء واحد: المصلحة. وتبين أن مصالح الحاكم الوطني الجديد، والطبقة التي يمثلها، تتطابق ومصالح الحكم الاستعماري وليس المواطن. وبدلا من أن يكون العدو خارجيًّا، مخالفًا في اللغة والدين والمصلحة، صار، تبعًا للظروف والمصالح، عدوًّا داخليًّا، منبثقًا من بين صفوف المواطنين، ولكن ليس بهدف خدمتهم ورفع مستوى حياتهم المعيشية، بل بهدف استمراره في الحكم وتوريثه لأبنائه وأهل عشيرته أو حزبه. ما حدث من تطورات جعل نسبة كبيرة من مواطني تلك الشعوب يتمنّون عودة المستعمرين، وهذه مفارقة! وأرى أنها ربما تحتّم التفكير والمراجعة، بل وأيضًا إمكانية تقليب فكرة التخلص أولًا من تلك الأناشيد، التي، في رأيي، لم تعد وطنية، بمعنى لم تعد تعبّر فعليًّا عن أحوال أوطاننا، ووضعها جانبًا في المتاحف، واستبدال أناشيد وطنية مختلفة بها، من دون حاجة، مثلًا، إلى كلمات فخمة وجوفاء، تتبجح بحب الوطن، والوعد زيفًا بعدم خذلانه، والاستعداد للموت في سبيله.. إلخ، من تلك البلاغة الإنشائية، التي تنفخ الرؤوس بكثرة ما تحتويه من هواء ساخن.

وإذا كان ما ذكر أعلاه منطقيًّا إلى حد ما -رغم ما يكتسيه من انفعال- وقابلًا للأخذ والرد، فإنه يقود بدوره إلى سؤال يتعلق بمدى استعداد القوى الحاكمة، باختلافها، في المجتمعات العربية، واقتناعها بإحداث التغيير المطلوب، تمشّيًا مع متغيرات الواقع، لكن من يجرؤ على إقناعها بذلك؟