Atwasat

غربة

محمد عقيلة العمامي الإثنين 30 نوفمبر 2020, 11:34 صباحا
محمد عقيلة العمامي

انتصف ليل «هالم بي»..
تعالت قهقهات رفاقي واختلطت بطنين الآلات الموسيقية الفيتنامية، وأغاني البحّارة السكارى وتعليقاتهم الماجنة. على نحو مباغت، نهض بأعماقي حزن جليل لم أستطع إخفاءه. تظاهرت بمجاراتهم، حاولت أن أبدو سعيدًا ولكن حزني غلبني، فانسللت، بهدوء، من بينهم.
لم ينتبهوا لمغادرتي، فقد كانوا لاهين بهمسات فتيات التدليك الواعدة. كان الشبق قد عزلهم عن كل ما حولهم، وكانت الفتيات الصغيرات الملطخات بالأصباغ لاهيات بالتدخين والأكل والشرب والرقص، فيما امتزج رنين ضحكاتهن الخليعة بأغانيهن الشعبية التي تشبه، إلى حد كبير مواء القطط في الليالي الربيعية!

ولما اصطفق باب الحانة خلفي، ولفحتني رياح خليج «هالوم» الشرقية المشبعة بالرطوبة والحر الشديدين، بدا لي الأمر كما لو أن أبواب الجحيم انفتحت أمام وجهي مباشرة. تنفست بعمق، ثم عبرت الشارع نحو البحر، وعندما وصلته، خُيل لي أن ذلك التنين الآسيوي الأسطوري المرسوم على مقدمة مركب خشبي عملاق، مطلي باللون الأصفر، مشرئب نحوي ينظر بشزر وينفث ناره في وجهي مباشرة!

فوق حافة رصيف البحر، تلاشى ذلك الهرج المُروع الذي كان يحاصرني عندما كنت بالحانة، سكن كل شيء، كل شيء، سوى ذلك الحزن القابع بأعماقي، الذي أنفثه بين الحين والآخر أنفاسًا ملتهبة، مثلما يفعل ذلك التنين الذي يتوعدني من فوق ذلك المركب الأصفر.

كانت البقعة التي وقفت عندها تقع فوق مرفأ قوارب ومراكب سفن النزهة الملونة الموثقة من مقدمتها، بامتداد الرصيف، وكانت الأضواء الخافتة، المنبثقة من فجوات قمراتها، تتمايل وتخبو وتتوهج، فتلك الجواري تستغل، في المساء، كمساكن لملاحيها وعائلاتهم أو تؤجر بالساعات للباحثين عن مأوى يخمدون فيه نيران عواء الضحكات!

هناك، هناك عند حافة العالم الشرقية، كان كل شيء لزجًا على الرغم من الهواء الحارق الذي كان يلفني، وبامتداد بصري بدت لي تلك الجزر الجبلية العجيبة في ظلام الليل وتحت ضوء القمر كأشباح مرعبة مشرئبة بأعناقها نحو حافة البر، كما لو أنها تنتظر مني تفسيرًا لمجيئي في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
عندما رأيت تلك الجبال أول مرة، بهرتني بجمالها، كانت كلوحة من اللوحات الفنية الآسيوية المرصعة بالعاج والأصداف والأحجار الملونة، لم تبدُ لي، كما هي الآن، أشباحًا مرعبة، وإنما جبال مكسوة بالخضرة والأشجار والأزهار كانت ككتل هائلة من زمرد منثور بساحل لازوردي مضيء.
كانت لوحة إلهية عجيبة رائعة للغاية!!

خُيل لي أن تلك الزفرة المشبعة بالكآبة، التي انطلقت مني تقول إن الأشياء ذاتها تتباين، حتى رؤانا لأعماقنا، عندما نتأملها من خلال انفعالاتنا.
وعندما انتبهت إلى أنني أقف وحيدًا، كعمود إشارة المرور العاطلة في الناصية التي عبرتها، غمرني إحساس عارم بغربة قاهرة واعتصر قلبي حزن جليل، وامتلأ حلقي بمرارة العجز، وتمنيت لو أن الله يزرع لي جناحين هائلين، أبتعد بهما عن هذا الحزن الذي يخنق روحي، ولكن إلى أين يطير بي؟ وكيف يهرب من تمكنت من روحه غربة لزجة؟! وأين يهرب من فقد هويته؟

وعلى نحو مباغت انهمرت، كعادتها، أمطار آسيا الموسمية فاحتميت بمظلة ركاب الحافلات المنتصبة بمواجهة الحانات والملاهي الليلية، وأعمدة الإنارة المزروعة بحواف الرصيف، فوق رؤوس بائعي الحلواء، والمشروبات الغازية المثلجة والأصداف المطبوخة ولحوم البط المدخنة، وبائعات الهوى، والسكارى، وفتوات الليل وعساكر الأمن، ومدمني الأفيون والعجائز القاعدين طول الوقت على أعتاب أكواخهم.

عندما كف المطر، التفت نحو الفندق، الذي أقيم به، واتجهت نحوه متذمرًا من طقس آسيا الموسمي، فالمرء لا يستطيع أن يدس رأسه بين كتفيه وياقة سترته ويضع يديه في جيوبه ليحتمي من المطر! فالرطوبة عالية والجو حار خانق، ورأس المرء لا يحتمل الهواء، فما بالك بباقته! ومع ذلك دسست رأسي بين كتفي، وكورت كفي بجيبي سروالي وعبرت الشارع.

عندما وصلت إلى بهو الفندق، ترددت قليلًا قبل أن أعرج نحو حانة «قصب السكر» التي تقع علي يسار المدخل بمواجهة نضد الاستقبال، حيث تكون الموظفة، دائمًا، مبتسمة تنظر نحوك من أية جهة تنظر إليها، تمامًا مثلما تحدق فيك عيون فتيات ملصقات الدعاية والإعلانات وأغلفة المجلات الفنية.

كانت الحانة خالية، إلا من زبونين يبدو من هيأتهما أنهما ليس من فيتنام. وكانا يجلسان أسفل تلك التعاويذ، التي تصدر أصواتًا موسيقية بفعل هبوب النسيم تطرد بها الأرواح الشريرة. كان النادل ينظر إليَّ بعينين باسمتين مترقبتين، فابتسمت له واتجهت نحو الشرفة التي تطل على الشارع الرئيسي الذي يفصل الفندق عن شاطئ البحر.

كانت الشرفة مظللة بأعواد الخيزران المرصوصة بنسق يشبه نسق القبعات الهرمية التي يرتديها السكان المحليون. لم تكن الحانة جيدة الإضاءة، ولكنها كانت نظيفة، ولم تكن مكيفة الهواء، ولكن المراوح الكهربائية المثبتة بالسقف تدور باجتهاد، فوق المناضد والكراسي الخيزرانية، دون أن تصدر عنها أية أصوات، أو أن تخفف من وطأة الحرارة والرطوبة الشديدتين.

اخترت منضدة بالشرفة، وما إن جلست على أحد كراسيها، حتى انحنى النادل أمامي متسائلًا، من خلال ابتسامة مرسومة بعناية عما يستطيع أن يقدم لي؟
ـ «فودكا!!» تمنيت أن أطلب ذلك، رغم أن الجعة، أو النبيذ الأبيض المثلج، هو ما كان يناسب حرارة تلك الليلة، ولكنني لم يعد بمقدوري أن أتناول الكحول، فقد نصحني الأطباء بضرورة الامتناع عن شربها؛ ذلك إن أردت ألا أجعل من كبدي ليفة متيبسة لا تنفع إلا لغسل الصحون، فطلبت فنجان شاي فيتنامي رغمًا عني، لم أكن بحاجة إليه ولكنني أردت أن أنهي مهمة النادل الواقف فوق رأسي، ولكن ما إن اتجه نحو البار حتى صحت في أثره:
ـ «أحضر لي بعضًا من الساكي مع الشاي!!» كأس أو كأسان لن تزيدا كبدي أكثر مما بها. ابتسم النادل واتجه نحو البار.

وفيما كانت أراقب عجوزًا يحشو غليونه، بجوار مظلة محطة الحافلات، حيث كانت سيدة تنتظر وكذلك رجلان، وقفت حافلة زرقاء جديدة، حجبت عني العجوز والركاب المنتظرين. بنافذة السائق الجانبية لمحت اللوحة المكتوب عليها وجهة الحافلة: «سايجون» عاصمة البلاد التجارية، ومطارها الدولي. وقفت الحافلة قليلًا، ثم انطلقت، وخلت المحطة إلا من العجوز الذي بات يجلس بمفرده، أما المرأة والرجلان فقد استقلوا الحافلة.

عندئذ، تمنيت لو كنت معهم، فركوب الحافلة كان يعني لي، في تلك الليلة، الخروج من دائرة الحزن، ومن الوحدة والغربة التي كانت تعتصر قلبي: فقد تراءت لي أنها البداية لأكون مع من أحب حيث أحب، لأكون بوطني، الذي أفتقده كثيرًا!