Atwasat

الحضارة والعنصرية

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 29 نوفمبر 2020, 11:20 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

عندما خرجت الجماعات البشرية الأولى من وضع البساطة وحالة التجانس، أو درجة عالية منها، إلى مرحلة من التعقد وتقسيم العمل، على أثر اكتشاف الزراعة واستئناس الحيوان، وما لحق ذلك من تطور حضاري وتكون الدول، نشأ التتمييز والعنصرية. فالتمييز والعنصرية قرينا الحضارة. وذلك عندما تكونت الدول ذات الجيوش المنظمة وأصبحت الحروب تخاض ضد دول أخرى بعشرات آلاف العساكر، وتدمر فيها المدن وتلغى الدول، ولم تعد مجرد صدامات بين جماعات ذات تركيب بسيط.

مع تبلور هذا الوضع ظهر الأسر والسبي والاسترقاق، وبظهور الإمبراطوريات متعددة الشعوب والإثنيات واللغات والأديان والطوائف، تقوت مشاعر العنصرية ضد الآخر المختلف إثنيا أو دينيا أو طائفيا أو لغويا أو لونيا، وازدادت الممارسات العنصرية لا إنسانية. فثمة أناس يعتبرون أنفسهم "أشرافا" ومتميزين وبيدهم مقاليد الأمور، يقابلهم أناس أقل شرفا ونقاء، وأحيانا من سقط المتاع. فممارسة العنصرية مرتبطة بسيطرة أهل إثنية أو ديانة على السلطة في مجتمع متعدد التكوينات.

ورغم ما تبذله الطلائع الإنسانية المستنيرة، منذ زمن، من أجل إلغاء التمييز والعنصرية، إلا أنه لم يتم القضاء عليهما تماما، بل مازالا يتمتعان بحضور صلب وراسخ في بعض البلدان.
أبرز مثال على ذلك، "المنبوذون" في الهند. وهي جماعات تقع أسفل نظام الطوائف castes الهندي، ويقدر عددهم بمئتي مليون!. أي حوالي 17% من مجمل عدد سكان الهند.
ترتبط ممارسات "المنبوذية Untouchability" بالديانة الهندوسية، التي تقسم معتنقيها إلى طبقات castes أو طوائف مغلقة، التراتب متوارث فيها، تمثل طبقة المنبوذين أدنى درجاتها. وقد استقرت هذه الممارسة منذ سنة 100 ق. ب.

في الاستعمال الهندي أطلق عليهم عبر التاريخ أكثر من اسم. فتطلق عليهم لفظة "برايا Pariah" المنحدرة من أصل تاميلي وتعني، في الاستعمال الهندوسي "المرفوض" أو "المنبوذ" وقد دخلت القاموس الإنغليزي بهذا المعنى، كما اكتسبت معنى آخر يدل على الكلاب السائبة pariah dogs. ثم "هاريجان Harijan" التي سكها غاندي سنة 1933 وتعني تقريبا "أهل الله people of God". إلا أن المصطلح السائد الآن هو "دالِـت Dalit" التي تعني في أصلها السنسكريتي "مقموع oppressed". ويعبر عنهم في الإنغليزية " Untouchables"، أي المحظور لمسهم، أو المنبوذون، ما يعني أنهم مدنسون، بالمعنيين: الديني والحسي المباشر.

ورغم التحسن في وضعهم تحت الاستعمار البريطاني وجهود المصلحين الهنود، وحظر الممارسات العنصرية وتجريمها والمعاقبة عليها وفق المادة 17 من الدستور الهندي المعدل سنة 1950 التي تنص صراحة على أن: "المنبوذية" ملغاة وتحظر ممارستها في أي شكل. وإن فرض أي تعطيل [لجزء من الشعب] ناتج عن "المنبوذية" يعد تعديا يعاقب عليه القانون.
وأن ثمة منهم من تقلد مناصب عليا في الدولة مثل رئاسة الوزراء، وحتى ورئاسة الجمهورية، حيث أن رئيس الجمهورية في الهند ينتخب داخل البرلمان ولذا فنجاحه يتوقف على حجم الكتلة الحزبية في البرلمان للحزب الذي يرشحه.

رغم كل هذا، فإن ممارسات النبذ إزاء هذه الطائفة مازالت تجري على نطاق واسع، خاصة في المناطق الريفية. إذ يحظر الزواج منهم ومشاركتهم الطعام والجلوس معهم في الأماكن والمناسبات العامة ومحاذاتهم على الطرقات... إلخ.

وما يزيد الأمر تعقيدا هو أن هذه الممارسات تعتبر مشروعة من وجهة نظر النصوص الهندوسية المقدسة، وأن عامة المنبوذين يؤمنون أنهم يستحقون هذه المعاملة بسبب خطايا ارتكبوها في حيواتهم السابقة [ذلك أن الهندوسية تؤمن بالتناسخ] وأن الآلهة تعاقبهم على خطاياهم هذه. أكثر من ذلك أن المنبوذين أنفسهم ينقسمون في داخلهم إلى طبقات وأن الطبقات العليا فيهم تمارس النبذ على الطبقات السفلى. كما أن توزعهم على عدة إثنيات تتكلم لغات مختلفة يحول دون توحدهم في حركة تطالب بحقوقهم الإنسانية، لو أرادو التوحد.

بطبيعة الحال، ثمة جانب اقتصادي مهم في هذا الوضع، إذ يشكل المنبوذون قوة عمل رخيصة، كما أنهم يقومون بالوظائف التي تعتبرها الطبقات الأعلى وضيعة.
بعض محاولات التخلص من وضعية النبذ تمثلت في تحول المنبوذين عن الهندوسية إلى الديانتين البوذية والإسلام، لكن معاملتهم في هاتين الديانتين، اللتين تنبذان العنصرية في نصوصهما الأصلية، ظلت على حالها تقريبا، مثلما كانت في الهندوسية.