Atwasat

لا هوادة فيها!

صالح الحاراتي الأحد 29 نوفمبر 2020, 11:13 صباحا
صالح الحاراتي

الناس يبالغون في المديح وفي الذم، في المعارضة وفي التأييد، ويقال إن أشهر شيء توجد فيه المبالغة هو الشعر، والذي قد تحوي مبالغاته شيئًا من الجمال الفني، حتى إنه قيل في مبالغات الشعر إن أعذبه أكذبه.

المبالغة أو التضخيم أو التهويل ليست حكرًا على مجتمعات محددة، ولكن الفرق يكمن في المساحة التي تشغلها المبالغة في منظومة الكلام في أي مجتمع.

وبالمناسبة في الإنجليزية: «Exaggerati» هي الإفراط والمبالغة في تمثيل شيء ما، ويعتبر الشخص المبالغ أن لديه ميزات واضحة، في حين أنه لا يمتلك هذه الميزات على الإطلاق، أو يمتلكها ولكن بشكل أقل مما يدعي. 

والمبالغة في اعتقادي ركن أصيل في منظومة الكلام لدينا، بل وتحتل مساحة كبيرة مما نقول ونكتب، وخير شاهد على ذلك هو المساحة الكبيرة التي تشغلها شعاراتنا الفضفاضة، والحجم الكبير لمفردات المديح أو الهجاء في منظومة الكلام لدينا، حيث نلاحظ أن المبالغة تحدث في كل الظروف، فنحن نحب بجنون ونكره بعنف، مما يؤكد أيضًا مرحلة المراهقة التي يعيشها مجتمعنا.

المبالغة في كل أمر هي خصلة سيئة، وقد نراها عيانًا في لعبة كرة القدم كمثال، وذلك كنوع من الخداع، يستخدمه البعض كوسيلة للتمارض بتضخيم الإصابات الطفيفة أو المشقة كعذر للهروب من المسؤولية، أو دعوة للحصول على مكسب وجزاء غير مستحق.

ونمضي لنتأمل بعض التعبيرات المبالغ فيها، التي تتكرر كثيرًا حتى يظن السامع أن القائل واثق ثقة كاملة فيما يقول.

ولأننا خارجون قريبًا من الحرب تذكرت عبارة:
«حرب لا هوادة فيها»، تلك العبارة التي تتردد عبر التاريخ وإلى الآن.
وبما أن الهوادة تعني -السُّكونُ واللين- أو المحاباةُ، لذا فمعنى العبارة هو الحرب العنيفة الدموية التي لا مكان فيها للقيم الإنسانية.
وكان حكامنا القومجيون يكثرون من استعمالها، رغم أنهم لم يخوضوا يومًا حربًا «لا هوادة فيها» إلا على شعوبهم، وهناك أنظمة ترفع شعار الحرب بلا هوادة على المخدرات، ثم يتبين أن بعضًا من أهل السلطة هم من يروجونها!

كما تتكرر عبارة أخرى في منظومتنا الكلامية منذ زمن بعيد ولها قبول لافت!! وهي كثيرة الاستخدام ولا تقل شهرة عن سابقتها، حتى يخيل للمرء أنها تكاد تتساوى في تكرارها مع عبارة «السلام عليكم»، إنها عبارة «سنضرب بيد من حديد».
إنها العبارة التي تستخدم من الجميع من له يد ومن له حديد، وأيضًا يستخدمها من لا يملك يدًا ولا حديدًا.
ويا ليت هذه العبارة تستخدم للتعبير عن مسلك يجب الأخذ به في التعامل مع عدو، ولكنها على الأغلب عبارة تحذيرية موجهة للمواطن، إذا حاد عن طريق الطاعة! 
وأنا لا أملك إلا الإعجاب بالمبدع الذي ابتكرها، فلك أن تتخيل يدًا من حديد تصفع بها، ومقدار الأثر الذي ستتركه.

الملاحظ أنها عبارات تفخيم وتعظيم لأجل بث التأثير المطلوب وهو التخويف، وذلك في مجال الحرب الدعائية، والواقع يشهد بأننا لم نخض حربًا لا هوادة فيها منذ مئات السنين، ولم نرَ من يضرب بيد من حديد، إلا ضرب المواطن الخارج عن طاعة أي حاكم.