Atwasat

ما زالت الشمس تشرق

جمعة بوكليب الخميس 26 نوفمبر 2020, 12:19 صباحا
جمعة بوكليب

شهر نوفمبر على وشك أن يولينا ظهره مغادراً. أيام قليلة أخرى تفصلنا عن نهايته المأمولة، ثم يتلاشى مفسحاً مكانه لحلول شهر آخر، وأخير، في روزنامة عام ثقيل الظل، أثقلنا بمتاعبه وأحماله وصروفه. أخبار طيبة، أخيراً، تتناقل في وسائل الإعلام، عن نجاح المختبرات الطبية أخيراً- في دول الغرب طبعاً- في الوصول إلى مصل واقٍ من الوباء الفيروسي. إنجاز عظيم للبشرية في وقت يعد قصيراً. الأخبار تتمدد منتشرة بسرعة أكبر من سرعة انتشار الفيروس، وبشائر الفرح والبهجة والأمل بدأت تتسرب تباعاً إلى النفوس في مختلف البلدان، وتنفض عنها ما تراكم من هموم ومخاوف وأحزان. وبدأت دول العالم تتأهب استعداداً لوصول أولى دفعات المصل، وتجهزت الفرق الطبية للبدء في حملات التطعيم. وفي ليبيا لا أحد يعرف، على وجه التحديد، ما إذا كانت الحكومتان، في غرب البلاد وشرقها، قد خصصتا ميزانية لشراء الأمصال، وماذا أعدتا من برامج لتطعيم المواطنين وتحصينهم؟

الإغلاق العام ما زال على حاله، يقف حائلاً، للمرة الثانية في أشهر قليلة، بين عودة الحياة إلى شوارع مدن وعواصم دول أوروبا. قلوب الناس تعبت إرهاقاً، ونفد صبرها، وأرزاقهم معطلة في انتظار أن تعود عجلات الدنيا بسرعة إلى دورانها. ودخل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، للمرة الثانية، الحجر الصحي احتياطياً أخيراً، وخرج كبير مستشاريه دومينيك كامينغز من «10 داوننغ ستريت» مطروداً، معلناً بذلك نهاية مرحلة وبداية أخرى لا أحد قادر على التكهن بخطوط سيرها. وإلى وقت كتابة هذه السطور، لم يتمكن المفاوضون الأوروبيون والبريطانيون، من الوصول إلى اتفاق حول العلاقة التجارية المستقبلية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. حرب قديمة/ جديدة في الصحراء الغربية بين المغرب والصحراويين كشرت عن أنيابها مجدداً.

وفي إقليم تيغراي، بإثيوبيا، نشبت خلال الأيام القليلة الماضية نيران حرب أهلية ضارية، ومعسكرات اللاجئين في السودان اكتظت بالهاربين بحيواتهم من الموت. وفي قره باغ، جنوب القوقاز، تمكن الأذريون بمساعدة تركيا من هزيمة الأرمن واستعادة أرضهم بعد قرابة ثلاثين عاماً. وفي أميركا، حتى الآن، ما زال الأميركيون منقسمين معسكرين. معسكر يترقب بصبر وأمل ظهور الدخان الأبيض من مدخنة البيت الأبيض في واشنطن، معلناً خروج الرئيس الأميركي ترامب من خندق عناده، واعترافه بهزيمته في الانتخابات الرئاسية. وفريق آخر يؤكد أن ساعة الحرب قادمة لا ريب. وأصدر الرئيس السابق باراك أوباما كتابه الموعود، عن سيرة ثمانية أعوام قضاها في الحكم، وأثبت، كما يقول المعلقون، أنه لا يقل مهارة في فن الكتابة عن الكتاب المحترفين. ورغماً عن كل ذلك، ما زالت الشمس تشرق كل صباح، ولم أرَ وجه أمي لأكثر من عام.

في قمرت بتونس، أنهى 75 ليبياً وليبية اجتماعاتهم، الأسبوع الماضي، في ملتقى الحوار السياسي الليبي، واتفقوا على خريطة طريق تقود إلى انتخابات تعقد في شهر ديسمبر من العام المقبل، نأمل أن تخلصنا من الدناصير القديمة، وتأتي إلينا بدناصير جديدة ومختلفة، قابلة للترويض بمرور الوقت. ورجع الممثلون إلى مدنهم وقراهم في ليبيا، حيث ما زالت أصداء الحوار تتردد، وتتجاذب الناس بين مؤيد ومعارض. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، يتساءل الليبيون عن الأسباب التي تمنع بعثة الأمم المتحدة، من تسمية الأشخاص الذين حاولوا تخريب ملتقى الحوار السياسي الليبي في قمرت، ولماذا لم يتم فرض عقوبات على رجال الأعمال، الذين سعوا إلى شراء أصوات الموفدين إليه؟ وفي خضم ذلك، خطف الموت الشاعر الصديق عبدالمولى البغدادي، خلال اليومين الماضيين، ولكن ليس «على جناح نورس»، كما تمنى، وبكاه أهله وأصدقاؤه، ولم يحرك المسؤولون، في الغرب والشرق، شعرة كعادتهم. وها هو فصل شتاء آخر أعلن قدومه، محذراً الليبيين من مغبة ما ستسببه أمطاره من متاعب وسيول وفيضانات في بلاد تصدر النفط منذ أكثر من نصف قرن، ومليانة فلوس، وتخلو من المجاري، ولا توجد بها مكبات قمامة عامة. ويصحو الليبيون وينامون على أمل أن يحن قلب محافظ مصرف ليبيا المركزي عليهم، ويصدر تعليماته بصرف مستحقاتهم السنوية، خصوصا بعد أن عادت ناقلات النفط ترسو في الموانئ النفطية. وانتظروا وطال انتظارهم، وما زالوا يترقبون، وما زال المحافظ يحتفظ بأوراقه قريباً من صدره، ولا يتفوه إلا بقدر يسير ومحسوب من كلام مستغلق، لا يختلف عما يكتبه الفقهاء في الأحجبة. وفي جلسة مجلس الأمن الأخيرة عبرت السيدة وليامز عن قلقها من هشاشة الموقف الأمني في البلاد، مشيرة إلى نذر ما يحدث من تعبئة وتجهيز للقوات في المنطقة الوسطى. ورغماً عن كل ذلك، ما زالت الشمس تشرق ببهجتها كل صباح، معلنة حضورها، غير مبالية بما حدث ويحدث وسيحدث من حوادث، ولم أرَ وجه أمي بعد، لأكثر من عام.