Atwasat

أوهام رواندية

الهادي بوحمرة الأحد 25 أكتوبر 2020, 09:07 مساء
الهادي بوحمرة

عند البحث في مآسي الإنسانية، تتجه الأنظار إلى عدة دول، منها روندا، ففيها وقعت جريمة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية، والتي تكونت من سلسلة من الجرائم، كان أشدها الكارثة الكبرى سنة 1994م. فقد توالت الانتهاكات الجسيمة بعد سقوط الملكية، وكان من نتائجها ذبح الآلاف من البشر الذين ينتمون لنفس البلد، وتجمعهم مع الفاعلين مواطنة وهمية، تتدرج في داخلها وفق تراتبية عرقية مدونة في بطاقات الهوية، وهمُ المواطنة كان يمنحهم أمنا واستقرارا وهميا، يضمنه نظامٌ ملكيٌ قائمٌ على عائلات نبيلة من أقلية التوتسو، مقابل أغلبية مضطهدة من أغلبية الهوتو. نظام يحسبه من في سدة الحكم، ومن لهم الحظوة في تولي المناصب السياسية والإدارية نظاما رشيدا، ويعتبره الآخرون نظاما ظالما، فكان الاستقرار والأمن مقابل القمع والاستبداد والمهانة، وكان على الضغائن والأحقاد أن تتراكم وتنتظر سقوط الحكم الملكي؛ كي تنفجر في مواجهة الأقلية الحاكمة تحت ظلال الملك، وسقط النظام وتحول الجلاد إلى ضحية، والضحية إلى جلاد، وأصبح التوتسو ونبلاؤهم مهجرين في بلاد الجوار.. ظن الهوتو أن البلاد استوت لهم، وأنهم سيطروا على مقاليدها، وأن من كانوا صفوة بالأمس هم اليوم لا حول لهم ولا قوة، وأن حكم أقلية التوتسو انتهى لغير رجعة، ولن تقوم لهم قائمة. فقد تمكن الهوتو من قلب الموازين، وتحولوا إلى قوة من بعد ضعف، وكانوا على يقين من أن الأقلية المشردة لن تستطيع أن تنال منهم بعد اليوم وهم الأغلبية، إلا أن ذلك كان مجرد وهم، فليس بالإمكان أن ينسى المواطن وطنه، سواء كان فيه حاكما أو محكوما، وليس له أن يرضى بالعيش بعيدا عنه لأمد طويل. أقام التوتسو في المنفى الجبهة الوطنية الرواندية. أحسنوا تدريب جيشهم، وتنظيم صفوفهم، ودخلوا البلاد من جديد بقوة السلاح عام 1990م... طال زمن القتال والقتل والدمار دون غالب أو مغلوب، وتحولت حياة الحكام والمحكومين والمتمردين إلى جحيم... تبين بعد حينٍ للطرفين أنه لا مفر من وقف القتال ومن فتح طريق للسلام... ذهب الحاكم والمعارض إلى أروشا بتنزانيا، ووقعوا اتفاقية توهموا أنها اتفاقية سلام دائم، وأنها ستنهي الحرب الأهلية، وتوهموا أن رعاية الولايات المتحدة وفرنسا لها كفيل بإنفاذها، وبقطع دابر من يعارضها. اتفاقية دخلت بها الجبهة الوطنية الرواندية في الجمعية الوطنية، وانضمت إلى الجيش، وشكلت نسبة 40% منه، وتقاسمت المناصب القيادية فيه، إلا أن الاتفاقية لم تضع حدا للحقد الذي سكن القلوب، ولم تحاكم الماضي، ولم تبنِ جسرا للانتقال، ولم تقطع مع ما ينبسط على الألسن من فتنة في الإعلام، إذ انطلق المتطرفون الهوتو عبر وسائله لوصف الاتفاق بالخيانة والموقعين بالخونة.. زرعوا في أذهان عامة الهوتو الاعتقاد بأن التوتسو يتحينون الفرصة للانتقام، وإلى العودة لاستعبادهم من جديد، وما دخولهم في اتفاق معهم إلا خطوة من خطوات العودة إلى الحكم، وأنهم لن يقبلوا بأن يعيشوا على قدم المساواة معهم.

جاءت بعد ذلك واقعة سقوط طائرة رئيس الحكومة في السادس من أبريل 1994م، وكانت الفرصة المناسبة لبيان سوء نية التوتسو، وإلغاء اتفاقية السلام معهم، والعودة إلى الحرب وإثبات رجاحة القول بوجوب تصفيتهم والتخلص إلى الأبد منهم... توهم الهوتو أنها لحظة تاريخية للتخلص من التوتسو، ولتملك روندا ملكية أبدية، دون مشاركة مع التوتسو... خُيل لمن يمسكون مقاليد الأمور بينهم أنهم قادرون على إبادة العدو، فتمييز من هو من التوتسو سهل للغاية، إذ إنهم يعرفون بعضهم، وبطاقات الهوية التي وضعتها الحكومة البلجيكية أيام الاستعمار تسهل ذلك، فهم مصنفون؛ وفقا لها. بدأوا التنفيذ، نشروا نقاط التفتيش، جندوا المدنيين منهم، تحول شعب الهوتو إلى مليشيات للبحث وقتل من وصفوهم بالصراصير وأعداء الوطن والدولة... كانت تسمية عصابات القتل بالجيش وبرجال الأمن مجرد خدعة، فقد ظهرت حقيقة ما كان يسمى جيشا أو شرطة، وبدأ كل منهما يدير عمليات القتل وحرق الممتلكات واغتصاب النساء... تحول الحرس الرئاسي وفرق النخبة في الوقت المناسب إلى قادة لعملية الإبادة الجماعية، وإلى مشرفين على تصفية التوتسي في العاصمة، غيرت سلطات الدولة المدنية جلدها، وأصبحت تدير عملية التطهير العرقي بدل إدارة الخدمات... كان على رأسهم رئيس إقليم (كيغالي فيل) الذي لعب دورا رئيسيا في المذابح، فمن مشرف على إدارة الإقليم إلى مشرف على أداء المليشيات. نزع القادة المحليون في الأرياف بدل الدولة المدنية، وارتدوا لباس أمراء الحرب في مدنهم وقراهم وأريافهم، فقد كانوا جاهزين لمثل هذا اليوم؛ لأنهم لم يثقوا يوما في اتفاق السلام.. قتل تحالف العسكرين والمدنيين الهوتو خلال مئة يوم ما يقارب من 800 ألف من التوتسو، وتعرضت مئات النساء للاغتصاب... أصبحت المسألة مسألة حياة أو موت للمجني عليه، فالنية ليست بالتفرد بالحكم لحين، بل بالتفرد به إلى الأبد... كان من الواضح أن خطة الهوتو بُنيت على وهمِ إبادة الخصم ونزعه من الوجود... تبين بوضوح أن دور الأمم المتحدة كان مجرد وهم، وأن ما يقال عن مهمة قوات حفظ السلام كان مجرد وهم، وأن قدرة الدول الراعية لاتفاق السلام على حمايته كانت مجرد وهم... وفي مواجهة ما ظهر من أوهام، ما كان أمام من تبقى من التوتسو إلا تنظيم صفوفهم، وإعداد العدة للدفاع تحت مسمى الجبهة الوطنية، وهو دفاع سرعان ما تحول إلى هجوم، إذ تمكنوا من دخول البلاد وهزيمة الحكومة، وتحولت أكثرية الهوتو إلى مهجرين مستضعفين، واعتلى من كانوا يوصفون بالصراصير سدة الحكم في البلاد من جديد... خلال الإبادة الجماعية اتضح للروانديين وهم ما تدعو له الكنيسة من محبة وسلم ووئام، فقد ساهمت الكنسية في الجريمة، واستسلم القساوسة والراهبات للكراهية وحب الانتقام ونزعة التمييز العنصري، ولعبوا دور الشريك فيها، وهو الدور الذي دفع البابا للاعتذار عنه أمام رئيس رواندا الحالي بتاريخ 20/مارس / 2017م ببيان تضرع فيه للرب طالبا الغفران عن خطايا وأخطاء الكنيسية والمنتمين إليها، والذين خانوا رسالتهم الإنجيلية، وتفوق في هذا المخاض المسجد على الكنيسة، وكان ملاذا آمنا للداخلين إليه؛ أيا كان عرقهم ودينهم. كما تبين للتوتسو وهم ما كان يقرع أسماعهم من شعارات فرنسية تمجد حقوق الإنسان، وتنادي بالحرية والإخاء والإنصاف. فمع أن لفرنسا قوات في البلاد؛ إلا أنها وقفت مكتوفة الأيدي أمام ذبح البشر كالخراف، بل إن ما ظهر بعد ذلك يدفع باتجاه القول بمساهمة القوات الفرنسية في الجريمة. تجلى للناس- أيضا- وهن العدالة الدولية، فالمحكمة الجنائية الخاصة برواندا لا تقدم إلا عدالة بطيئة انتقائية، ولا تلاحق إلا المهزومين، وتماطل في فتح ملفات مهمة لمتهمين في سدة الحكم، وممن لهم علاقات مع الفاعلين في المجتمع الدولي اليوم، حيث إن المتهمين يتوزعون بين الفريقين، فمن هم في السلطة تنسب لهم جرائم لا تقل جسامة عن الفارين خارج البلاد.

اليوم خرجت البلاد من الفوضى، ونهجت نهج الاستقرار، وحققت تطورات اقتصادية سريعة، وكافحت الفساد، واستغلت قدرات البلاد في مجالات الزراعة والسياحة والتعدين، وقامت بتبسيط إجراءات الاستثمار، وبتحويل رواندا إلى مركز تكنولوجي. إلا أنها في المقابل دخلت في أوهام أخرى، وهي أوهام المصالحة الوطنية ودولة المؤسسات والقانون وحقوق الإنسان والتداول السلمي على السلطة... فالحديث عن العرقية اليوم غير قانوني، الا أن ذلك جاء بقوة القانون، وقبل حدوث مصالحة وطنية حقيقية تفحص الماضي، وتحفظ الذاكرة الوطنية، وتؤدي إلى تجدر التعايش السلمي بين مختلف المواطنين، فما كان في الماضي يمكن أن يعود مستقبلا، وعلى نحو أكثر تطرفا، وبتعاون مع الأجنبي أو بدونه. فالسلطة يمكن أن توقف الاضطراب وتحفظ الأمن والاستقرار، لكنها قد تضعف أو تزول بين لحظة وأخرى، ويُفتح الطريق بعدها أمام ما في النفوس من تراكمات، كما أن السلطة التي تدفع البلاد إلى مزيد من الازدهار الاقتصادي هي اليوم من تهجر، وتقتل المعارضين، وتحجم دور الصحافة، وتنتهك حقوق الأنسان والمواطن؛ حسب تقارير منظمات حقوقية، منها منظمة هيومن رايس ووتش، ومنظمة العفو الدولية. ومع أن رواندا اليوم يحكمها دستور، إلا أنه دستور على مقاس الزعيم، فبعد أن دخل البلاد على رأس قوة متمردة 1994م لوقف الابادة الجماعية، عين (بول كاغامي) نائبا للرئيس، وسيطر على مفاصل الجيش والأمن في الدولة، ثم أصبح رئيسا عام 2000م، وفاز بالانتخابات سنة2003م، وأعيد انتخابه سنة 2010، وكان من المفترض أن تنتهي ولايته دستوريا سنة 2017، إلا أن الدستور تم تعديله؛ لإطالة حكمه، فأعيد انتخابه في 2017م، وبموجب النص الدستوري النافذ اليوم، يمكن له الاحتفاظ بالرئاسة إلى سنة2034م. ومن شدة يقينه بالفوز، وصف الرئيس آخر انتخابات رئاسية بأنها مجرد إجراء إداري.. اليوم تحول محقق السلام ومحدث التغيير في رواندا إلى ديكتاتور تفرد بالسلطة، وأسرف في قمع معارضيه، وفتح أبوابا لانتهاكات حقوق الإنسان. ولهذا، يرى المراقبون أن رواندا اليوم أمام خطر الدخول في دوامة العنف من جديد، وتحول البناء إلى ركام، فالنار لا زالت تحت الرماد، ولا نظام متينا يضمن العدالة والاستقرار ودوام الازدهار ويعزز الحقوق والحريات، وإنما هو فرد يتفرد بحماية البلاد والعباد، ولا انتقال سلميا للسلطة، ولا مشاركة سياسية، ولا معارضة حقيقية، وشكوك حول سلامة الانتخابات، واتهامات بتنظيم الحكومة للاغتيالات. وربما يمكن اختصار القول بأن السلام في رواندا اليوم يوصف بأنه سلامٌ قمعي، وبأن الرئيس يوصف بالمستبد العادل، وبأنه القادر الوحيد على حكم البلاد بيد من حديد، وكأن لسان الحال يقول أن من بعده قد يأتي الطوفان.