Atwasat

إنصاف الخصوم والأعداء

عمر أبو القاسم الككلي 6 أيام
عمر أبو القاسم الككلي

شخصيات الديكتاتوريين متميزة ولافتة للاهتمام، بسبب غرابة أطوارها وأفعالها، أو ردات أفعالها، المفاجئة، أي إن ثمة إطارا عاما لشخصية الديكتاتور من الناحية النفسية، لكن معمر القذافي ذهب شأوا بعيدا في هذه الغرابة، على الأقل بين الديكتاتوريين المعاصرين.

وبعد موته كتب عنه الكثير من قبل الكتاب الليبيين والعرب، إذ لم يكن الناشرون العرب أثناء حياته يجرؤون على نشر كتب من هذا النوع، خوفا من ردة فعل مؤذية.
لم أجد في نفسي ميلا لمتابعة ما كتب عنه، ولكن أخيرا قرأت للروائي والكاتب المصري حمدي البطران كتابا عن القذافي بعنوان «القذافي.. الواقع والأسطورة» (1).
والحقيقة أن الكاتب سعى إلى تناول سيرة القذافي في السلطة بموضوعية ونزاهة واضحتين، وتقصى موضوعه في عدد كبير من الكتب والمجلات والصحف والمواقع الإلكترونية.
إلا أن أي عمل، خصوصا أعمالا من هذا النوع قابلة لأن تحتوي، لسبب أو آخر، على أخطاء، أو عدم دقة في المعلومات والتحليلات.
في هذا المقال سأكتفي بإبراز بعض النقاط التفصيلية، التي ارتأيت أنها جديرة بإعادة النظر فيها.
* يشير الكاتب في أكثر من مكان في كتابه إلى أن ليبيا اعترفت بمسؤوليتها عن حادثة لوكربي المعروفة «ص 11، 164، 183»، والواقع أن هذا الكلام ليس دقيقا، فليبيا لم «تعترف بمسؤوليتها عن حادثة لوكربي» كدولة منفذة لهذه الحادثة، وإنما أعلنت «مسؤوليتها عن أعمال موظفيها» «ص 184». وهو أمر مختلف تماما عن إعلان مسؤوليتها كجانية منفذة للجرم. إن الأمر يشبه في هذه الحالة كما لو أن ابنا مراهقا لي قذف، في لعب أو عراك، سيارة أو بيت أحد الجيران بالحجارة وتسبب في تحطيم الزجاج، فأتقدم أنا إلى الجار وأعلن استعدادي لدفع تكاليف إصلاح ما نتج عن فعل ابني باعتباري ولي أمره ومسؤولا عن تصرفاته، وهو أمر يختلف عن الاعتراف بمسؤوليتي بوصفي فاعلا مباشرا. صحيح أن المسألة في حالة الدولة مسألة فنية، لكنها مهمة من الناحية القانونية.
* يقرر الكاتب أن معمر القذافي اعتبر نفسه «أمينا على القومية العربية» بناء على جملة «قالها جمال عبدالناصر ربما مجاملة للضابط الشاب الذي قاد ثورةً، وخلعَ ملكًا، في بلد مجاور، مقتديًا به، وربما نسيها عبدالناصر ولم يتذكرها. أحدثت مفعولها في وجدان الضابط الشاب، وربما أفقدته توازنه فيما بعد» «ص 41». والجملة المعنية هنا هي قولة عبدالناصر للقذافي: «معمر أنت تذكرني بشبابي» «ص 41»، إلا أن الأمر ليس بهذه الخفة. لم تكن الواقعة عبارة مجاملة خلف الجدران، لقد سمعت أنا شخصيا عبارة تعميد جمال عبدالناصر معمر القذافي «أمينا على القومية العربية» في خطاب ألقاه عبدالناصر في طرابلس يوم 25/6/1970 بمناسبة الاحتفال بجلاء القوات الأميركية عن قاعدة عقبة بن نافع، التي كانت تسمى قاعدة هويلس. وقد وثق سامي شرف النص كالتالي:
«إنني سأترككم غدا وأنا أشعر بقوة جديدة ودم جديد، وأشعر أن الأمة العربية فيكم، وقد عبرت عن ثورتها، وعبرت عن عزيمتها، وقد عبرت عن تصميمها.. أترككم وأنا أشعر أن أخي معمر القذافي هو الأمين على القومية العربية وعلى الثورة الليبية وعلى الوحدة العربية» (2).
* يقول المؤلف: «عندما مات الرئيس جمال عبدالناصر، لم يُشكّل موته صدمة للرئيس القذافي. أظنُّ أنه لم يحزن كثيرًا، لأن القذافي كان يؤهِّل نفسه لتقلُّد وشاح الزعامة بدلا منه، مثلما يحدث في الطرق الصوفية. عندما يموت شيخ الطريقة، فيتولى خليفتُه رئاسة المشيخة» «ص 85».
أنا أختلف مع هذا التحليل تماما، فمن الناحية الشخصية كان القذافي متعلقا عاطفيا بعبدالناصر ومواليا له بصدق، ومن الناحية العملية توفي عبدالناصر شهر سبتمبر 1970، أي بعد مرور سنة فقط على استيلاء معمر القذافي ورفاقه على السلطة. في هذه الفترة لا بد أن القذافي يشعر أنه حرم من سند حامٍ بالنسبة إليه وإلى «الثورة الليبية». فوجود عبدالناصر يعزز مكانة القذافي ودوره ويشكل نوعا من الحماية له ولمشروعه، ويعلم أنه لا يمكنه أن يقوم بأي فعل إيجابي على المستوى القومي العربي إلا تحت جناح عبدالناصر ومصر. إن سرعة غياب جمال عبدالناصر عن الساحة ليست كافية لأن يأخذ القذافي بالتطلع إلى الحلول محله. أصبح القذافي يحاول لعب دور عبدالناصر في تزعم العمل القومي والتيار الناصري بعد ذلك بفترة، عندما خرج النظام المصري الذي ورث عبدالناصر عن الخط القومي الناصري.
* تحدث الكاتب كثيرا عن علاقة القذافي بحرب أكتوبر 1973 ومواقفه منها، لكنه لم يشر إلى تصريح في غاية الأهمية بدر عن معمر القذافي. ففي يوم 7 أكتوبر، ثاني أيام الحرب، ألقى القذافي خطابا (3) بعد الإفطار «لأن الوقت كان شهر رمضان، واستمعت إليه أنا شخصيا» خاطب فيه الشعب الليبي بالقول بأن ما يستمعون إليه من بيانات عسكرية الآن صادرة عن مصر وسورية صادقة تماما وليس كما كان الشأن سنة 1967، وقال لكن هذه حرب وقد تستعمل فيها أسلحة جديدة تغير الموازين، وقال كان بودنا أن يكون لنا رأي فيها، ولكن بما أنها وقعت فليس أمامنا إلا تأييدها ودعمها. والتصريح المهم الذي أود التركيز عليه قوله في هذا الخطاب: «نخشى أن تكون هذه حرب تحريك وليست حرب تحرير»، وللأسف، أثبتت تطورات التاريخ صحة هذا التحليل، وأصبح هذا التعبير مستخدما كثيرا من قبل محللين سياسيين عرب، ومنهم مصريون، الذين يتناولون هذه الحرب بالتحليل حتى الآن.
* يشير الكاتب إلى أن المحاولة العسكرية التي قامت بها «الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا» في مايو 1984 «نُفِّذت داخل معسكر باب العزيزية، معقل القذافي، بمهاجمته بالسلاح» «ص 35». وهذا ليس صحيحا، إذ اكتشفت المحاولة قبل قيام المجموعة، التي كانت في إحدى شقق عمارة مجاورة لمعسكر باب العزيزية، بأي تحرك مسلح. ويقول: «وكان أحد أفراد العملية، وهو أحمد حواس، قد اعتُقل في أثناء دخوله البلاد، مما كشف أسرار المحاولة وسهَّل إفشالها» «ص 35». والحقيقة أن أحمد حواس اكتشف عند دخوله البلاد برا قادما من تونس وقتل في مواجهة مسلحة وعثر معه على الوثائق الكاشفة. وقد قام النظام بالإعلان رسميا عن مقتله، الأمر الذي أربك المجموعة، فلم تعرف كيف تتصرف وتم اكتشافها عند محاولة تغييرها المكان.
هناك نقاط عديدة أخرى تستدعي الإيضاح، لكننا نفضل الاكتفاء بهذا القدر.
وأحب أن أختم بالقول إن الأمانة العلمية والنزاهة الأخلاقية تحتمان علينا إنصاف خصومنا وأعدائنا.

1- حمدي البطران، القذافي.. الواقع والأسطورة، دار غراب للنشر والتوزيع، القاهرة 2019.
2- سامي شرف، سنوات وأيام مع جمال عبدالناصر (لا يصح إلا الصحيح). http://elw3yalarabi.org/samy-sharaf/S-N-Facts-3.html
3- لم أعثر على نص الخطاب.