Atwasat

تداعيات القرية الخضراء (2 - 2)

محمد عقيلة العمامي الثلاثاء 06 أكتوبر 2020, 01:21 صباحا
محمد عقيلة العمامي

ما الذي يجعلني أتحدث، وأحيانا أكتب، عما سيحدث؟ وأنا بالكاد أفهم ما يحدث في الحين نفسه!. لماذا "امتهنت" التحليل السياسي، وأصبحت أفسر الأحداث قبل وقوعها؟

ألم أكن بعيدا عن هذه "المهنة" المزرية؟ ألم أكن أكتب عن الأحداث بعد وقوعها، وفي الغالب بسنوات؟ وهذا كما تعلمون هو عمل المؤرخ وليس عمل المحلل السياسي!

حسنا عدت إلى صوابي، وقررت أن أكتب بعد وقوع الأحداث، وليس قبلها. أكتب كمؤرخ وليس كمحلل! فلقد انتبهت إلى أن تحليل نتائج حدث، أي حدث، هو على نحو ما، تنبؤ بما قد سيحدث؟ وهو كما ترون عمل الأنبياء ولعل المحللين السياسيين، الذين يقومون بكل جراءة بهذا العمل الخطير - بنية حسنة- يجدون أنفسهم تحت بند التحريم، أو على الأقل الاتهام!

خلال الأشهر الثلاثة الماضية لم أشطح بعيدا عن نفسي؛ بل في الواقع تصالحت أكثر معها! تصالحت تماما مع روحي المشاكسة، التي صالحتني بالفعل منذ ستة أعوام، وانتهيت بالفعل من مغامرات غير مأسوف عليها. ولكن خلال السنتين الماضيتين، أقلقتني حد الإزعاج، فلقد تطاولت على مهنة "التنبؤ" في مجال، هو الوحيد الذي لم أمتهنه، بل وبأدق تعبير لم اقترب منه مطلقا.

لا أذكر أنني شاركت في حديث سياسي، أو له علاقة بالسياسة؛ لا قبل سقوط الملكية، ولا أثناء دولة القذافي أو دولة الجماهير؛ وقبل ثورة 17 فبراير كان لي رأى وثّقه المرحوم إدريس المسماري في كتابه "سيرة بنغازي" ووثقته في خاتمة كتابي "قهوة سي عقيلة" -الحلقة 57 – وبينت الحقيقة التالية، وهو أنه: ((عشية يوم 16 فبراير 2011 كنت رفقة الصديقين الكاتب: إدريس المسماري والتشكيلي محمود الحاسي نحتسي قهوة العشية بمقهى الديوان ببنغازي. تطرقنا إلى الأحداث المتسارعة التي مهدت إلى قيام ثورة 17 فبراير. تحدثنا عن التوقعات المحتملة، ولا أحد منا كان يتوقع ماذا سيحدث؟. فلقد كان حديثنا يدور عما يحدث في تونس ومصر، ولقد قلت أثناء حديثنا عن حالتنا أن نسلك طريق الإصلاح، فهو الأسلم لنا وللوضع العربي كافة، وإن الثورات لا ينتج عنها لسنوات، إلاّ الفوضى والخراب، نعم قلت ذلك بالفعل، وفسرت لهما، حينها، ما حدث أثناء الثورة الفرنسية والبلشفية وحتى الأمريكية"، وفسر المرحوم إدريس رأيي بأنه "جبن" رأس المال، وهو لا يعرف أن المحل إيجار وتمويل قرض من البنك!

صحيح أنني انخرطت في هيئة الدعم والمشورة، وظللت أحضر اجتماعاتها، أحيانا من مطعم الرياس مباشرة، وبـ "زفرة الحوت". وأذكر مرة أنني غبت عن بنغازي أشهر، ولما عدت، ذهبت إلى الجامعة الدولية للعلوم الطبية، حيث تعقد اجتماعاتها، ووجدت وجوها كثيرة لم أرها أثناء اندلاع ثورة 17 فبراير، وكانوا يتناولون موضوعا عاما أعرف خباياه، فطلبت الكلمة ولما أذن لي ووقفت أمام الميكروفون، وكان مدير الجلسة "ري الدنيا" أحد رفاقي في الجامعة، الأستاذ محمد بوشناف الفاخري، وما إن بدأت الكلام حتى طلب مني أن أقول الاسم والصفة، ولأنني كنت حينها بدون صفة وظيفية، فقلت على الفوار: "طباخ" فحينها جئتهم من أمام "طنجرة حرايمي" كانت تعد للمطعم الذي يقع مقابل الجامعة، الذي أصبح هو ومقهى الديوان غنائم حرب!.

السياسة لم تكن تستهويني، الود بيني وبينها مفقود تماما، وفجأة وجدت نفسي أمام أضواء وسيدات فاتنات يطلبن رأيي وتحليلي لما حدث، وأيضا لِمَ لمْ يحدث؟ فصرت في مصاف أولئك المرفوع عنهم الحجاب؛ أضع رجلا فوق أخرى وأقول تحليلي، فيصيب وغالبا يخيب!
لماذا كنت أتحدث، وأنا بالكاد أفهم ما سيحدث؟ أليس ذلك ما يفعله المحلل السياسي، أليس هو من يكتب أو يتحدث، في الغالب، قبل وقوع الأحداث، وليس بعدها، وأنا الذي ظللت أكتب عن الأحداث بعد وقوعها، وفي الغالب بعد سنوات من وقوعها، وهذا كما تعلمون عمل المؤرخ وليس عمل المحلل السياسي!

فدعوني أعترف لكم أنني أخطأت، ولكن عذري أن ما دفعني لذلك هو "لقمة العيش"، التي كان لي منها الكثير ولكنهم سرقوه أمام عيني وأخذت بدله "لقمة أس"!. ولم يترك لي لصوص العصر الحديث لا فتاتا ولا قشورا، فظللت مذعورا خشية ما قد يصيبني مثلما أصاب رجالا أنقياء في غربتهم، رحلوا عنا مقهورين فيما تطورت "الخدمة على الرأس" إلى نهب ممنهج بوسائل يخجل منها الشيطان!

وحمدت الله أنني تمكنت، في هذا الوقت المزري، من إتمام نجاحات كبيرة تجاه مسئولية أسرتي فيكفيني ويكفيهم شرفا أن بعضهم حقق نجاحات على مستوى العمل الحر، والبعض الآخر أتم دراسته، ومنهم من نال شهادات عليا من دون أن تنفق عليهم "دولة ليبيا" دينارا واحدا، ولا درهما من الأموال المنهوبة التي ينفق بعضها "نُقط" فوق راقصات، أو اشتروا بها ما يعتقدون أنه يخفي حقيقتهم.

أعتذر منكم، يا أصدقائي، فلقد أخطأت في حقكم مرتين: المرة الأولي عندما كتبت، بانفعال، مقالات "سقوط باستيل بنغازي"، أما الثانية فهو ما قدمته من تحليلات سياسية جعلتها تحت قناعتي "بجيش ودولة مدنية وتداول السلطة"، وغفلت عن رؤية واقع تجاهلته وبانت مغبته، فالمحكومون من الطرف الآخر مقتنعون بقناعاتي، أما من بأيديهم زمام الأمور فلهم رأي آخر وأبواق تتحدث بالنيابة عنهم. وكدت أن أفقد رفاق عمري بسبب هذا التحليل السياسي، وكدت أن أفقد جزءا من وطني، وبان الحال واضحا: المنتصر خاسر، والضياع شمل الوطن كله.
فماذا حدث؟

حادث سير، عجيب لا يوصف ولا يفسر أقعدني ثلاثة أشهر، أبعدني عن كل شيء سوى قراءة وتأمل. وانتبهت، من كثرة اعتذاري بسبب إصابتي إلى القنوات الإخبارية لمداخلة أو تحليل، أنني فعلا "محلل سياسي"، وأنها أصبحت مهنة! وتسلطت روحي علىّ، تناكفني: "كيف تجرأت امتهان السياسة، وهو المجال الذي لم تقترب منه أبدا من قبل، مجال للمرفوع عنهم الحجاب!" وكان قراري أنه: "نص الطريق ولا كمالها".

فأنا لست سياسيا..." ولست أفاقا… وما كنت مغامرا. يستحيل الزيف في كفى أساور، واللآلي في طريقي… فى كفى تتناثر. أنا ابن الكوخ… طفلا وشبابي. وشبابي للمنابر.." أنا من الجيل الذي أخذ بمثل هذه الأشعار. ولم يقترب أبدا من السياسة.

فمعذرة سوف أعود إلى ما وجدت نفسي فيه، إلى الكتابة عن مواضيع إنسانية، حياتية، ممتعة جميلة لا علاقة لها لا "بتقديري" ولا "باعتقادي". والمتنبي يقول: "ومـن صَحِـبَ الدُنيـا طَـويلاً تَقَلَّبَـتْ عـلى عَينِـهِ حـتَّى يَـرَى صِدْقَها كِذْبا" ولو غيرنا كلمة الدنيا بالسياسة – خصوصا الليبية - لما تغير المعنى!
سوف أحدثكم، مثلما حدثتكم من قبل عن: "هالوم بي" في فيتنام وحانة الكلب الأبيض في "أكرا" و"فرنشي" في برايتون والدب الذي أرعبني في هلسنكي والشاب الزنجي، الذي وجدته يعزف في حانة في "فيبر" القريبة من قبعة العالم في الدنمارك، والذي اكتشفت أنه من باب بحر. سأحدثكم عن (النبكينا) وأسماك موريتانيا.. وأشياء مسلية كثيرة أخرى، تبعد حكم "غمة" السياسية التي نعتقد أنها ليبية، وهي ليست كذلك.