Atwasat

متطلبات الاستفتاء

محمد عبدالرحمن بالروين الإثنين 21 سبتمبر 2020, 10:17 صباحا
محمد عبدالرحمن بالروين

 

الاستفتاء، عموما، هو عملية استشارة الشعب (أو شريحة من شرائحه) والأخذ برأيه في قضية ما. وبمعني آخر هو تصويت مباشر يتم فيه دعوة الناخبين للتصويت على اقتراح معين أو اعتماد سياسة جديدة أو قانون محدد. وتعد هذا الآلية من أهم ركائز الديمقراطية لكونها تتجاوز السلطات الرسمية وتذهب مباشرة لأخذ رأي المواطنين باعتبارهم المصدر الحقيقي للسلطات.

متطلبات الاستفتاء لكي يكون الاستفتاء عادلا ونزيها وناجحا لابد أن تتوفر به مجموعة من المتطلبات (أي المعايير) الضرورية لعل من أهمها الآتية:
أولا: الاختيار يفترض في الاستفتاء لكي يكون ديمقراطيا أن يتاح فيه للمواطنين حق الاختيار بين وجهات النظر المختلفة، ولن يتحقق ذلك إلا إذا أتيحت فرص متساوية ومتكافئة في التعبير بين الموافقين للقضية المطروحة في الاستفتاء والرافضين لها. بمعنى أن عملية الاستفتاء ليست مجرد أن يُطلب من المواطن أن يقول «نعم» أو «لا» على قضية ما دون معرفة محتواها، والعيوب التي بها، والمشاكل التي قد تسببها. كما يحاول هذه الأيام بعض أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور القيام به، من أجل تمرير ما أطلقوا عليه «مشروع الدستور». والذي لا يزيد على كونه نسخة مَعيبة ومُشوه لما عُرف بـ «مشروع دستور صلالة»، الذي أشرفت على إعادة صياغة بعض من مواده بعثة الأمم المتحدة (مع مجموعة من أعضاء الهيئة) بمدينة صلالة، بدولة عُمان في 2016. وعندما رجع الأعضاء من صلالة حاولوا جاهدين (مع دعم ومساندة مجموعات سياسية وأصحاب مصالح حزبية خاصة) تقديمه للاستفتاء، بالرغم من أنه لم يتحصل حتى على النصاب القانوني المذكور في الإعلان الدستوري (أي 40 عضو + 1)، ورفض هؤلاء الأعضاء المحترمون أيضا مناقشته مادة – مادة، أو حتى بابا – بابا.

ثانيا: المشاركة على الجميع أن يدرك أن الغرض الأساسي من الاستفتاء هو منح الناخبين فرصة للمشاركة المباشرة والفاعلة - إما بالموافقة على قضية ما أو برفضها. ولكي تكون المشاركة فاعلة ومؤثرة يتطلّب أن يكون هناك حد أدنى للمشاركة يحددها القانون. فعلي سبيل المثال، حدد الإعلان الدستوري الليبي، الصادر في 2011، أن تكون نسبة من يقول «نعم» لمشروع الدستور على الأقل 67% (أي الثلثين + واحد) من المشاركين في الاستفتاء. بالإضافة لذلك تشترط بعض القوانين أيضا وجود حد أدني للمشاركة في الاستفتاء، لضمان اعتماد دستور متفق عليه ويمثل إجماعاً حقيقياً ويكون بمثابة وثيقة دائمة.

ثالثا: التوعية باختصار شديد يمكن القول أن القيام بأي استفتاء دون توعية وتثقيف المواطنين بحيثيات القضية المطروحة هو نوع من أنواع العبث والغش والتحايل عليهم. وعليه تعتبر مسألة توعية وتثقيف الناخبين أمرا مهما للغاية، وشرطا ضروريا لإنجاح عملية الاستفتاء. وبالتالي فمن الواجب منح الوقت الكافي والحرية الكاملة والسماح للمواطنين بالسماع لكل الأطراف الموافقة والرافضة للقضية المطروحة في الاستفتاء، وهذا يتطلب نشر الوعي والتشجيع على المشاركة فيه. ويجب أن يكون الغرض الأساسي من حملات التوعية والتثقيف هو ضمان اتخاذ المشاركين قرارا واعيا عند التصويت بـ «مع» أو «ضد» على القضية المطروحة.

رابعا: الإدارة لعل من أهم الأمور التي يجب أخذ الحيطة بشأنها هو توفر الإدارة الجيدة لعملية الاستفتاء، أي وجود كوادر مهنية وذات كفاءة ومحايدة لتنظيم عملية الاستفتاء، بحيث لا يقتصر دورها على العمل يوم الاقتراع، بل قبله وخلاله وبعده.

الخلاصة في الختام، وباختصار شديد، لكي ينجح الاستفتاء على مشروع الدستور:
أولا: ضروري أن نتذكر أن عملية الاستفتاء ليست مجرد أن تحدد يوما للمشاركين، وتطلب منهم أن يقولوا «نعم» أو «لا» حول موضوع لم يشاركوا في كتابته، وبعضهم لم تتح له الفرصة لقراءته. فهل يُعقل يا سادة أن تطلبوا من المواطن البسيط أن يصوت بـ «نعم» على مشروع دستور يعتبر من أهم (إن لم يكن الأهم) قضايا الوطن، دون أن يقرأ مُكوناته ويناقش ويفهم مُحتوياته

ثانيا: ضروري أن نتذكر أنه لا أحد عاقلا يرفض، من حيث المبدأ، تبني عملية الاستفتاء كآلية ديمقراطية، والتشجيع على استخدامها في كل المجالات المناسبة لذلك، بشرط أن يتم الالتزام بكل المتطلبات (أي المعايير) الأساسية والضرورية (المذكورة أعلاه) لإنجاحها. إن الاستفتاء الحقيقي والناجح يتطلب قراءة واضحة، واستماعا جيدا، ونقاشا بنّاء، ونقدا علميا وموضوعيا، لمحتويات مشروع الدستور، وفوق ذلك كله، يتطلب العمل على توعية المواطنين بمزاياه وعيوبه وإشكالياته حتى يستطيعوا اتخاذ قراراتهم على بينة. إن محاولة تمرير مشروع الدستور دون الالتزام بالمعايير الأربعة المذكورة أعلاه هو أسلوب ديماغوجي في اتخاد القرارات المصيرية، ولا يعدو عن كونه استراتيجية لإقناع المواطنين وكسبهم وتوظيفهم لمصالح خاصة وحزبية.

ثالثا: ضروري أن نتذكر أن التوعية والتثقيف شرط مهم من شروط إنجاح أي استفتاء، ولكي تتم توعية وتثقيف المواطنين بما يتضمنه هذا المشروع المعيب والخطير، من الضروري أن يتم الاستماع لكل الأطراف - المؤيدين والمعارضين له، من أجل مناقشة المواد الخلافية والكارثية فيه.

رابعا: ضروري أن نتذكر أنه يجب أن تكون المناظرات والنقاشات (بين المؤيدين والمعارضين للمشروع) علنية، وأن يتم إعلانها في وسائل الإعلام المختلقة لنقلها في الصحف وعلى محطات الراديو والقنوات الفضائية. بمعنى آخر، يجب أن يكون هذا النقاش بين الأطراف مفتوحا ومنقولا على الهواء، حتى يتعرف المواطنون، في كل ربوع الوطن، على نقاط الاختلاف في هذا المشروع والحلول المطروحة للتعامل مع كل منها.

خامسا: ضروري أن نتذكر أنه لكي ينجح الاستفتاء على مشروع الدستور، يجب ألا يقوم (مؤيدو هذا المشروع) بتوظيف معاناة شعبنا السياسية والاقتصادية والمالية والصحية التي يعيشها هذه الأيام، من أجل تمرير مشروعهم المعيب والمشوه، وتقديمه على أنه الحل السحري والنهائي لكل هذه المشاكل التي يعاني منها المواطن. إن هذا المشروع يا سادة يحتوي على إشكاليات دستورية، وجوهرية، وخطيرة، وعديدة، ستقود حتما - إذا تم اعتماده دون مناقشته وتعديله - إلى إنتاج دولة فاشلة أسوأ مما حدث في لبنان، والصومال، وأفغانستان، وأخيرا العراق.

أما رسالتي الأخيرة إلى السيدات والسادة المحترمين الذين يرغبون في التصويت بـ «نعم» على هذا المشروع المَعيب والمشوه، دون أن يعرفوا عيوبه والإشكاليات الجوهرية التي به، فلا أملك إلا أن أقول لهم، كونوا حذرين مما تطلبون فيه، فربما تنجحون في الحصول عليه، ولكن عندما تتحصلون عليه لن يعجبكم وسيكون ضارا بكم، وعندها سيقول لكم إخوانكم، عظم الله أجركم فيما تبقى من الوطن وفي الدولة المدنية التي كنتم تحلمون بها.
والله المستعان.