Atwasat

طيور الرخ.. والجملة الحاسمة

محمد عقيلة العمامي الإثنين 21 سبتمبر 2020, 01:34 صباحا
محمد عقيلة العمامي

1- طيور الرخ
الطيور مرتبطة بمكان له حدود، يعني وطن، إن أزيلت علامات هذه الحدود فإنها تضيع تماما. أثبت ذلك عالم طيور كان عائدا مع رفيقته من رحلة علمية في غابة قريبة من مدينته؛ عند نهايتها اقترب الأصيل، وكانا قريبين من معسكر لشركة تزيل أشجار من حافة الغابة تمهيدا لتشييد مبان ومخازن، وفيما كانا يعدان خيمتهما، قريبا من معسكر العمال، انتبه العالم، إلى أن طيورا تطير بإعياء واضح في نطاق محدد وتعاود الكرة مرات ومرات. ظلت على هذا الحال حتى أخذت تتساقط من الإعياء.

اقترب من العالم أحد العمال وقال له: "إنها على هذا الحال منذ العصر، أو من بعده بقليل!". وعرف منه أنها كانت تطير إلى أن تصل نقطة محددة وتعود، كما لو أن هناك ما يمنعها من مواصلة الطيران!

اتجه العالمُ وتبعه العامل نحو الأشجار التي اجتثت، وهناك رأى أعشاشها، مبعثرة باتساع المساحة التي سقطت بها الأشجار. عندها عرف العالم السبب، وفسره للعامل وبقية العمال الذين تملكهم حب الاستطلاع.

قال لي ذلك العاملُ: "إن العالمَ أخبرهم أن الطيور فقدت أعشاشها، وأنها لا تستطيع أن تقترب من عش ليس بعشها، وهي لا تستطيع أن تجد لنفسها حلا.. تواصل البحث إلى أن تسقط من الإعياء.. فلقد فقدت وطنها!" واستطرد: "بالطبع ليس الطيور كلها هكذا، وإنما الطيور المسالمة فقط، لأنها تحس بأمنها في أعشاشها فقط، إن فقدتها، فقدت أمنها وأمانها..".

أخبرني ذلك العامل الكثير عن الطيور، حتى أنني أيقنت انه قضى تلك الليلة منصتا لعالم، لأن معلوماته عن الطيور كثيرة، وشائقة وهذا ما دعاني إلى أن أحضر له مشروبا ثانيا، ليواصل حديثه. قال لي: "نحن نخطيء تماما عندما نقول فلان حر كالطير، والحقيقة الطيور ليست حرة مثلما نتوهم حتى تلك المهاجرة مربوطة بموطن محدد، عندما يحين وقت هجرتها لا تستطيع البقاء، وتنطلق إليه. الصقر أو النسر مرتبط بقمة الجبل لابد أن يعود إليه.. طائر الرخ فقط الذي قد تلهيه بطنه أياما عن عشه!".

ولما قدم النادلُ للعامل مشروبه الثالث انفرجت أساريره، وقال: "طائر الرخ هو الوحيد الذي يستطيع أن يغيب طويلا عن مكانه وصغاره، بل وحتى زوجته التي تحضن بيضها، طالما هناك وليمة!.. أتعرف طائر الرخ؟ حسنا إنه ذلك الطائر القبيح، الذي يتجمع فوق أقرب شجرة عندما يكون هناك كائن يحتضر!" ولما انتبه إلى أنني لا أعرف هذا الرخ، استطرد: "إنه علامة من علامات أفلام الغرب الأمريكي عندما يكون ثمة محتضر في الصح

راء! تتجمع حوله طيور قبيحة ذوات رقاب طويلة خالية من الريش؛ انتظر! منذ أيام نشرت الصحف صورة لطفل افريقي يحتضر وحيدا في الصحراء، وخلفه شجرة يابسة وعدد من طيور الرخ تنتظر موته! الصورة مشهورة لأنها فازت بجائزة كبيرة". "نعم.. نعم!" أجبته لأنني بالفعل أذكر تلك الصورة.
لقد عرفت من ذلك العالم أن الله خلقها هكذا ليس لنراها قبيحة فقط، ولكن لكي تدخل مناقيرها وتتوغل رقابها في عمق الجيفة، وبالتالي لا تحتاج إلى تنظيف ريش هذه الرقبة القبيحة!. هذا الطائر القبيح لا يرتبط بوطن محدد الحدود! إنها لا ترتبط بمكان، الذي يسميه البشر وطن. الرخ لا وطن محددا له ولا يقول لا أبدا... كل جيفة وليمة! وطنه أينما تتوفر رمم الحيوانات، يطير على ارتفاع ثلاثة آلاف متر لتمسح عيناه أكبر مساحة ممكنة، ويحلق في صمت لا ينعق ولا يصفر ولا يصدر أي صوت، إلاّ مع أقرانه عندما يتجمعون حول الولائم ! وتتنادي طيور الرخ، وما إن تتأكد من أن الحيوان أصبح رمة يتوالى نزولها بأعداد يستغرب المرء من أين جاءت. لقد أخبرني ذلك العامل أن التهام جثة حمار تتركها طيور الرخ هيكلا عظميا يستغرق ساعتين، أما البقرة فثلاث ساعات، فيما يلتهم التيس في نصف ساعة!. وطائر الرخ لا يعرف الشبع، ولا يتوقف بحثه عن رمة أو جيفة حتى يعم الظلام. إنها تعيش في الجبال، ولكنها دائما قريبة من مراعي الحيوانات.. خصوصا عندما تجوع هذه الحيوانات أو تتقاتل!."

2- " لا.."
أحد أصدقائي يتعامل مع كلمة (لا) وكأنها جملة كاملة! كنت قد انتبهت مبكرا لعلاقته الوثيقة بهذه الكلمة؛ أقول له مثلا: "صديقنا فلان يمر بأزمة ويحتاج إلى مبلغ يعينه عليها .." لا ينتظر مني تفاصيل هذه الأزمة بل يجيبني سريعا: "لا.. ظروفي لا تسمح!"وأنا أعلم أن ظروفه تسمح جدا! ولم يطل الأمر حتى عرفت أنه أسس حياته، أو أنه تربى من البداية على ذلك: "لا". دائما وفي كل الأحوال ولن تستطيع أن تقنعه أبدا.
الآن من بعد علاقتي به التي استمرت، وما زالت مستمرة، منذ أكثر من نصف قرن؛ مازالت "لا.. هي لا". صحيح أن هناك أسئلة كثيرة، يمكن الإجابة عنها بـ (نعم) أو (ربما) أو (يمكن)، أو أمهلني يوما او اثنين. ولكن صاحبي هذا اختصر الإجابات كلها في كلمة "لا" الواضحة الشاملة الكاملة.
لقد تذكرته وعدت بذاكرتي إلى مواقف عديدة، كانت "جملته" هي الحاسمة. وكان ضعفي أمام طلب من صديق أجابه قبلي بـ (لا) فيما قلت له أنا: "نعم" وكانت النتيجة بائسة بالنسبة لي، فلخصتها له، آملا في تعاطف منه، فأجابني سريعا: "ألم أقل لك أن (لا) لا يدخل معها داء! ثم أضاف ساخرا: "يا حمار!".
نعم! نحن لم نقل "لا" من البداية، لأننا لم نتوقع أن يصل بنا الأمر هذا الحد، وكانت المواشير واضحة منذ حكاية القرطاسية. سخرنا منها ولكننا لم نقل بعدها "لا" ولا ينبغي أن ننكر أن كثيرين ممن التحقوا بالركب انتبهوا إلى أن سر البقاء هو ألاّ يقولوا "لا".