Atwasat

إنهم يقتلون الموتى

سعاد الوحيدي الأربعاء 16 سبتمبر 2020, 10:39 صباحا
سعاد الوحيدي

في رواية البؤساء، التي أرخت بعبقرية أدبية استثنائية لأحداث الثورة الفرنسية، نحت فيكتور هوجو على لسان الطفل فرجاس جملة سكنت رأسي كوسم غائر منذ قراءتي المبكرة للرواية، وما فتئت تلسع ذاكرتي كلما تشابهت الأحداث مع موضوعها. كان فرجاس، بين زمهرير الرصاص المتطاير بين المقاتلين الثوار وجنود السلطة، يجمع ما يمكن له التقاطه من عتاد أو"ذكريات"، من على الجثت التي كانت تتساقط على أرض المعركة، عندما فُجِعَ برؤية الرصاص يخترق جسد أحد القتلى، فصرخ مفزوعاً ومستنكراً: "إنهم يقتلون الموتى".

ذاتها الجملة تحركت في قلبي، وأنا أفكر في أننا اليوم بدورنا نُعاود قتل غرقى قوارب الموت التي صارت تتكسر دون توقف على شواطيء ليبيا، عندما نجعل حفراً كئيبة تبتلعهم دون هوية، أن نسمح لذواتهم أن تختفي للأبد. فغير البعض "المحظوظ" من الغرقى الذين يسوقهم القدر نحو العمليات الرسمية، وحيث يتم أخذ عينة من الجثة، ُترقم، ويُنحت على القبر ذات الرقم، (في انتظار مُطالب ذات يوم بذاك الجثمان لمقارنة الحمض النووي)، البقية تحتويهم قبور موحشة، موصولة دون رحمة بغياهب العدم.

مدير أحد مراكز الإيواء في طرابلس، عندما سألته عن أشد وجع عاشه مع المهاجرين؟ حدثني عن قصة مجروحة الحزن: لمُسن من أرتريا في الثمانين من عمره، طرق باب المركز باحثاً عن ابنه الذي انقطعت اخباره، (وكان قدعزم على الهجرة نحو أوربا عبر البحر الليبي). وحيث استمر لقرابة ثلاثة أشهر، لم يترك ركناً أو جهة دون أن يسأل عنه، لكن الرجل عاد لبلاده خائباً، وهو يبكي بحرقة وكأن خبر العدم قد قتل ابنه مرتين...

هذا الموت الثاني الذي يخلفه الفراغ، وغياب الخبر، يرتسم في قلبي كفاجعة كونية. ويذكرني بما تقوله أمهات المفقودين في سوريا، والذين ابتلعت غياهب سجون الأسد خبرهم: كيف أن أم الشهيد قد تنام، لكن أم المفقود لا تنام. لأن قلبها يبقى معلقاً في فضاء الانتظار بين الوجود والعدم.

إن ضرورة تنظيم آليات أخذ عينات الحمض النووي، والتأسيس لشبكة "إنسانية" مشتركة بين البلدان ذات العلاقة بوجع الهجرة غير الشرعية، سواء دول المصدر أو العبور أودول المقصد، من شأنها أن ترصد للمفقودين ومآل مصيرهم، وأخذ عينات الحمض النووية لكافة الجثامين قبل أي إذن بالدفن، سواء لمن قضوا في البر، أو في البحر. تنهض كأولوية أممية عاجلة. لأن مقارنة ما نحتفظ به من حمض الجثامين مع حمض ذويهم ذات يوم، وحده ما سيسمح أن نرد لهم هوياتهم. أن نسعف موتهم المجاني بشيء من الكرامة والإنسانية. أن نحتفي بشجاعة الكبرياء والحلم بالبحث عن عالم أفضل.. لكل هولاء البؤساء ضحايا ظلم هذا التاريخ الكافر.

وكانت أيطاليا قد بادرت عام 2014 بأخذ عينات من الحمض النووي للجثامين التي صارت تتراكم على شواطئيها في كوارث متسارعة، وشكلت "لجنة حكومية للمفقودين"، تهتم بجمع المعطيات. مع ذلك لم يسمح الأمر بالتعرّف على أكثر من أربعين ضحية، حسب الطبيبة الشرعية كريستينا كاتانيو، المنسقة للعمليات في إيطاليا.

وهي تنتقد غياب "توحيد الإجراءات الدولية المعتمدة بالخصوص"، وتطالب المؤسسات الأوروبية بضرورة "تولي الأمر". المطلب الذي يبدو أكثر إلحاحا في ليبيا وقد تكشفت مأساة توجيه غرقى المتوسط نحو شواطئنا، وكأن ثمة إرادة دولية في جعل ليبيا مقبرة للغرباء. (تولت وزارة الحكم المحلي تخصيص قطع أراضٍ في البلديات المتاخمة للبحر كمقابر خاصة للغرقى... بعدما اكتظت بهم مقابر هذه المناطق. وإن استمرت الناس تقبر الجثامين التي يلفظها البحر، أو يبتلعها رمل الصحراء دون العودة للسلطات).

ووفق إحصائيات الأمم المتحدة قضى منذ 2014 أكثر من عشرين ألف مهاجر نحبهم في عرض المتوسط، من بينهم أكثر من 16 ألف في المنطقة الأخطر الواقعة بين إيطاليا ومالطا وليبيا وتونس، بينما لم يتم انتشال جثامين أكثر من ثلث هؤلاء.

على أن ما يمكن التأكد منه فيما يتعلق وهذه الكوارث، إنها ما فتئت تخلف حفراً كئيبة، يسكنها غرباء كانوا قد تسلقوا جبال الحلم ليبتلعهم كابوس أليم... حفر كثيرة مجعدة الوجه، ولا تليق بحزن هولاء. لا تليق بإنسانية مهدورة تكاتفت أمم الأرض على طعنها في الظهر. لا تليق بأحلامهم، ولا شجاعتهم ولا نضالهم الذي واجه الطغاة، والبحار والجبال والصحاري والكوارث الموجعة. لا تليق بما لاقوه من ليالي اعتقال وقهر واضطهاد ومرتزقة من كل لون وتوجه. لا تليق بانتظاراتهم أو انتظارات أهلهم.لا تليق بِنَا.. بإنسانيتنا.