Atwasat

طريق نحو الشمس

سالم الكبتي 6 أيام
سالم الكبتي

(لا أهاب شيئا ..
لا أطمع في شيء..
لأني إنسان حر)
نيكوس كازانتزكي

هذه صفحات ليست عادية. لقد كتبت بدم القلب. وهي قطعة من تاريخ المعاناة وتجربة سنوات الاعتقال في ليبيا في فترة قريبة مضت. حاولت تدمير النفوس لكنها عجزت عجزا كاملا عن هزيمة روح الرجال الحقيقيين. مضى السجان إلى ظلام التاريخ وبقيت التجربة ماثلة في الضوء والنور وظل صاحب التجربة والمعاناة شاهدا يروي بأمانة وينقل الصور والظلال والألوان لكي تبقى واضحة تحت توهج الشمس ولاتزول من تفاصيل التاريخ.

لم يكن صاحب هذه التجربة بعيدا عما حدث. لم يكن مجرد متفرج صامت في زاوية قصية حتى وإن طال الصمت الكسير فترة من الزمن. كان صالح الغزال المعتقل والشاهد والراوي جزءا رئيسا من المعاناة مع كثير من زملائه وسط ماحدث بمرارة قاسية على مدى ثمانية عشر عاما من الاعتقال الرهيب. أيام وليال. وفصول تعاقبت وعام يسير وأجيال جديدة تستقبل الحياة.. وهو مع أولئك الزملاء الصابرين يقبعون خلف الأسوار تثقلهم المعاناة الشديدة الوطأة ويرين عليهم الصمت الطويل.

هذه تجربة عن معتقل كامل الجدران والأسلاك كان في الأرض الليبية. معتقل واضح المعالم والأركان مؤكد الملامح. لم يكن هذا المعتقل الأسود سجنا أو حجرات توقيف أو مركز بوليس أو نقطة تفتيش عابرة أو بوابة تبرز خلالها للحارس هويتك ثم تمضي في طريقك. المعتقل كما ينقله إلينا الشاهد ويضعه أمام عيوننا يختلف عن ذلك تماما. إنه معتقل موحش تختفي فيه نصوص القانون ومدد الأحكام وآدمية الأنسان وكرامته. لا قوانين. لا لوائح. لازمن معروفا ومحددا بالضبط لنهاية العقوبة.. العقوبة التي تظل مزمنة. تتجدد وتتطور مع مرور اللحظات المريرة داخل المعتقل. كل يوم يمر ثمة حالة أخرى من العسف والقهر. كل لحظة تحمل في ثناياها الجديد!

المعتقل عبر الزمن أقسى من السجن. أشد إيلاما وانتهاكا للنفس التواقة إلى الحرية. المعتقل شيء آخر إذا ما أطبق بمخالبه. وعلى امتداد التاريخ عاصرت البشرية العديد من (المعتقلات). وهي في الواقع لم تكن تختلف عن بعضها. اختلفت في الأماكن والظروف لكنها اتفقت سواء بسواء في الإذلال والمهانة وتدمير الروح. أن رائحتها الكريهه ولونها الأسود البغيض واحد على طول العالم: المعتقلات الفاشية. النازية. الصهيونية. معتقلات السود في إفريقيا التي أقامها السيد الأبيض. معتقلات فرنسا في الجزائر وغيرها من مستعمرات. معتقلات إيطاليا.. إضافة إلى معتقلات (العهود الوطنية!) كلها كانت أمثلة حية تدلنا على أنها ستظل من أبشع وألعن ما اخترعه الإنسان ضد أخيه الإنسان. ولقد شهدت هذه المعتقلات رغم اليأس والعذاب والمرارات الكثير من أصحاب النفوس الكبيرة التي لم تخش ألسياط والجلادين أو المقاصل والمشانق. كانوا أقوى وأعظم بقاء من جلاديهم ومعذبيهم ومعتقليهم (الأشاوس).

في المعتقل لم تمت روح الإنسان. نهضت تواجه الأقزام وأشباه الرجال وتواصلت المواجهات والمواقف الشجاعة. تدفق الشعر وانهمرت القصائد الشامخة وانطلق الفن والرسومات والألحان والحكايا والروايات وظل الإيمان بالقضية والحلم بالغد الجميل. المعتقل في جانبه الآخر كان لوحة متكاملة للإنسان الصبور النبيل المضحي المتطلع من أسواره العاليه نحو الشمس. المعتقل طريق نحو الشمس. كثيرون من الرجال هزموا المعتقل وبقي في أعينهم مجرد ظل باهت من الظلال الواهية والميتة للعسف والظلم في التاريخ. إنه لم يوقف الحياة. لم يسد الهواء. لم يحجب الشمس أو ضوء القمر. لم يحل دون سقوط المطر وحلول تباشير الربيع. لم يصادر غناء العصافير. بقيت الحياة وظل المعتقل الأسود على الدوام أثرا بعد عين.

إن التفاصيل المهمة والدقيقة تلوح في ذاكرة صالح الغزال.. في هذه السطور: فالأحزان والعذابات وجلسات التحقيق والليالي الطويلة وأنواع المهانة والمواقف المتنوعة للرجال وبعض التخاذلات والضعف والمحكمة والنزلاء الجدد القادمون باستمرار والصبر والثبات المتواصل وأخبار الموت والتصفيات والبعد عن الأهل وظلام المعتقل والمعاملة السيئة وإدعاءات السلطة ومنظمات حقوق الإنسان.. وغير ذلك تلوح قوية وواضحة في هذه الصفحات التي كتبت وقدمت للأجيال بإخلاص متناه عن المعتقل الوطني الليبي المعاصر وما كان يجري داخله بعيدا عن الإعلام وطوفان التعتيم والكذب. ولم يكن الثمن بسيطا أو رخيصا. كان غاليا جدا حصيلته زهرة الأعوام وبهجتها وطمأنينتها. كان ثمنه دم وتضحية من أجل الأخرين.

إن ذاكرة معتقل التي يقدمها الصديق صالح الغزال هي ذاكرة وطن بكامله. حصيلة مايقارب عشرين سنة من الاعتقال الرهيب وستبقى قطعة ثمينة من تاريخ الوطن على الدوام. قيم النضال والتضحية لاتموت!!

* من مقدمتي لكتاب "ذاكرة معتقل" للصديق الأستاذ صالح الغزال الذي يعده للنشر قريبا