Atwasat

التاريخ الكلي (رؤيةٌ لفهمِ التاريخ الوطني وتفسيره)

صالح أبو الخير 6 أيام
صالح أبو الخير

روح الوطن. كروح ذو طبيعة لا حُضور لها في الواقع، برغم حضورها الطاغي في الوجدان. واستحالة نيلها تكمن في هذه المُفارقة: غيابٌ في المكان، مقابل الحضور في الأزمان، مقابل الحضور في الوجدان. ولكن روح الأوطان متنٌ. متنٌ مبثوثٌ في وصايا. وصايا يغتنمها سلطان الزمان فتغترب حرفاً، تغترب نصّاً، ولكنها تأبى إلاّ أن تؤكد حضورها رمزاً..... إبراهيم الكوني (الذاكرة الأخلاقية)

كتب الكوني مقالته هذه قبل ان تندلع الثورة في ليبيا بسنوات، حين كانت ليبيا تحت سلطة واحدة قوية، ورغم قوة تلك السلطة إلا أن الكوني كان يشغر بغياب الوطن مكانًا، وحضوره وجدانًا، يا ترى ما الذي جعل الوطن يغيب في جهة ويحضر في أخرى؟ هذه المفارقة من الحضور والغياب لم تكن تستند إلى أسس تاريخية أو حضارية، بل كانت نتاجا لاهتمامات كتاب التاريخ وطرق البحث التي انتهجوها، فالتاريخ هو العلم الكفيل بحضور الوطن أو غيابه وتلاشيه، وذلك بسبب ارتهاننا لواقع تاريخي لم يجعل منا مواطنين، واقع تاريخي منعنا من أن نلتقي سياسيا خارج الحدود الجهوية والقرابية والإثنية وربما حتى المذهبية.

وهذا الواقع التاريخي كان السبب الرئيس في الكثير من مشاكلنا الحالية وحزازاتنا الراهنة، بل وجعلنا في حالة ننكر فيها وجود الوطن، وذهب بعضنا بعيداً ليقول: إنه صنيعة استعمارية، هذا الواقع جعلنا نهرب إلى مجتمعاتنا الصغيرة المهترئة، القبيلة والإقليم والجهة، تاركين خلفنا فضاءً حضاريًا رحيبا وعريقًا، لأننا جهلنا كيف نفسر نشأته وتطوره، وإلا كيف نفسر ما يقول به أغلب كتاب التاريخ الليبيين من أن ليبيا بحدودها المعروفة اليوم، انطلقت مع بداية القرن الثامن عشر مع قيام الدولة القرمانلية التي مدت نفوذها إلى فزان عقب سقوط دولة أولاد محمد، ثم دخول برقة بشكل مباشر في السياسة القرمانلية فيما بعد، في حين يقول آخرون أنها ولدت من المحنة الدرامية التي تعرضت لها في النصف الأول من القرن العشرين (الاستعمار) حين قام الإيطاليون بتوحيد ولاية طرابلس الغرب مع متصرفية بنغازي، وفريقٌ آخر يرى أنها لم تبدأ إلا مع إعلان الاستقلال في عام 1951.

كان الأجدى بكتاب التاريخ والمهتمين به، أن يأخذوا في حسبانهم مجمل امتداد الماضي الليبي كله منذ العصر الحجري وحتى يومنا هذا، لا أن ينطلقوا من هذه المحطات التاريخية المتأخرة لأن ليبيا قديمة، بل وأقدم بكثير من هذه المحطات التي اتخذتها الكتابات التاريخية منطلقا لبدء التاريخ لليبيا الواحدة، لقد أهمل كتاب التاريخ الليبيون أهمية الاستفادة من علوم الأنثروبولوجيا والجغرافيا التاريخية وغيرها من العلوم الاجتماعية لتفسير وفهم التاريخ الوطني، كان على كتاب التاريخ التركيز على المجال الليبي، وهو المجال الذي كانت تجوبه القبائل الليبية المرتحلة من شرق مارماريكا إلى اطراف جبل نفوسة غربًا مرورا بسرت الكبير وجنوبا إلى عمق الصحراء الكبرى، متسلحين بشواهد التاريخ وهي كثيرة جداً، تتيحها لهم العلوم الأخرى مثل الجغرافيا والأنثروبولوجيا وغيرها من العلوم الاجتماعية.

إن الشواهد التاريخية التي يمكننا توظيفها والتركيز عليها لإبراز وحدة الفضاء الليبي وعراقته كثيرة، فالأزياء والمفردات اللغوية والرموز والمعتقدات الاجتماعية والعادات والتقاليد، كلها تحوي أعداداً لا حصر لها من الشواهد، ولكن مناهج الكتابة التاريخية التقليدية التي ينتهجها كتاب التاريخ الليبي حالت دون هذا التوظيف الإيجابي لهذه الذخيرة الاجتماعية توظيفًا يخدم الوحدة الوطنية ويعزز الثقة عند الليبي بتاريخه الطويل وعراقة الفضاء الذي يعيش عليه، ولهذا فإن دراسة التاريخ بشكل كلي هي ما ستمنحنا فهم وتفسير تاريخنا الوطني بدقة أكثر، لأن التاريخ وفقا لتصور فلاسفة التاريخ الكلي لم يعد مجرد تاريخ اجتماعي واقتصادي، بل هو هذا وشئ آخر: إنه جغرافي وسكاني وثقافي وسياسي وديني، أي أننا حين نحاول فهم تاريخنا الوطني يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الجغرافيا الليبية والسكان والثقافة والمعتقدات الدينية والاجتماعية.

هذا يعني أن هاجس المؤرخ في ليبيا يجب أن يكون الحضارة ومحاولة فهم كل ما هو تاريخي فهما شموليًا، أو بمعنى آخر: محاولة تعميم المنهج التاريخي تعميمًا غايته جعل الحضارة موضوعًا للتاريخ، والحضارة التي نعنيها يمكن أن نعرفها بالآتي: هي مجموعة تاريخية يشملها نمط واحد من الحياة المادية والروحية ولها سمتان، الأولى: أنها حقيقة تاريخية ممتدة وموغلة، أي أنها طويلة زمنيا، والثانية: أنها مرتبطة برباط وثيق مع مكانها الجغرافي.

ووفقا لهذه الرؤية، فإن هذا الشكل الهندسي الذي يميل إلى التربيع الذي يسمى اليوم ليبيا، لن يكون القياس الوحيد الذي نحتاج إلى الإحالة إليه، فداخل هذا القياس توجد مقاييس فرعية أخرى: الأقاليم والجهات والمكونات الثقافية واللغوية، التي احتفظت منذ زمن طويل وماتزال تحتفظ بدرجة من الاستقلالية، وتميزت بخاصية هوياتية مهمة وهي الاستمرارية التاريخية، فلازال الإنسان الليبي اليوم يلعب "الكاسكا" في الأفراح، بالطريقة نفسها التي صورتها لوحات أكاكوس، ولازالت المرأة الليبية ترتدي نفس ذلك الرداء الذي ظهرت به التماثيل الطينية (التيراكوتات) في الأعمال الفنية الإغريقية، ولازال الرجل الليبي يفتخر بلبس الجرد علي طريقة الأباطرة الرومان.

وهناك غير ذلك الكثير من الأمثلة والشواهد التي تؤكد أن هذا الفضاء كان واحدا واستمر في وحدته بطريقة أخرى، نعم قسمته الظروف السياسية أدواراً من الزمن، ولكن العادات والتقاليد والعقائد حافظت على وحدتها، وحافظت أيضا على تنوعها.

وهذه الاستمرارية التاريخية للفضاء الليبي لم تكن علي وتيرة واحدة ولم تكن تحمل لونا واحداً، بل تحولت بفعل التراكم التاريخي والتصدعات والتفتقات إلى لوحة من الموزاييك المزدحم الألوان، وانتهت إلى ما يشبه التفكك أو التجزؤ الثقافي واللغوي، ولم يتسنَّ لنا حتى اليوم ، فهم مشكلة المشاكل في ماضينا الوطني: التجزؤ الذي تكمن خلفه التباينات والتواترات والالتباسات، وأيضا النزاعات والتناحرات المريرة، ولم نتفطن لذلك إلا عندما اندلعت الحرب الأهلية بيننا، وساهم هذا الجهل بمشاكلنا في توظيف هذه الذخيرة الخطيرة بأشكال لا أخلاقية.

كتب عبدالله القويري في (معنى الكيان): إذا ما نشرنا أمام أعيننا خريطة ليبيا وأردنا أن نحدد ملامح مجتمعنا على ضوء الواقع الجغرافي، وأبعدنا عن ذواتنا العلاقة الوجدانية التي تربطنا بهذا الواقع وكنا على قدر من المعلومات الجغرافية، وعلاقاتها وانعكاساتها في جميع المجالات: لم نتمالك أنفسنا من أن نطلق تعبيرًا مملوءًا بالحزم والإصرار: هذه بلادنا وأقول : لقد جاءت اللحظة التي نملأ وجداننا بذات الحزم والإصرار ونرى ليبيا بنظرة تتجاوز التفاصيل الصغيرة والمحطات المؤقتة المحزنة، بسياقات أكبر، وشمولية أوسع: قائلين: هذه ليبيانا.... هذه بلادنا