Atwasat

ليبيا 1970 (4_5)

سالم الكبتي الأربعاء 02 سبتمبر 2020, 09:24 مساء
سالم الكبتي

إن الأحداث تسارعت بلا توقف. 

..اعتزل الملك السياسة إلى الأبد بعد مشوار معها دام حوالي ستين عاما. انكسارات وتعب وتطلع وتفاؤل وأزمات ومواجهات وصراع حتى إعلان الاستقلال وبناء الدولة. رجال معه مخلصون لم يتأخروا في ذلك. ليبيا المتنافرة جمعها دستورها. كان أساسها التوافق وليس المغالبة. توافق الرجال في بداية المشوار سواسية دون فرق. في لجنة الواحد والعشرين التي كانت حجر الأساس للتطور الدستوري للوطن.. سبعة سبعة سبعة. وبرعاية دولية من الأمم المتحدة دون انحياز. ثم جمعية الستين. عشرون عشرون عشرون. لجان العمل خلالها ووضع الدستور.. مناقشات واتفاقات واختلافات دون سلاح أو إراقة دماء أو عناد. الاختلاف في الأهداف والوسائل، لكن الاتفاق كان على الوطن وفي الوطن وليس خارجه. نجحت البلاد ولم تخسر وعبرت العواصف والأغبرة بالتوافق. ليبيا توافقت ولم تتنافر رغم كل مايقال.
وفي الأشهر الأولى من 1969 شعر الملك بالحزن العميق عندما تأكد له بأن الليبيين يفقدون الانتماء لوطنهم. صرح بذلك بأسى في مجلس خاص. الانتماء ضاع ومعه سيضيع الوطن ويحسن الله عزاءكم فيه. الليبيون لا ينقصهم أيما شيء. يفتقدون الانتماء لوطنهم. هكذا شعر وصرح في النهاية.
الأمور غدت واضحة وتسارعت الأحداث. 1 سبتمبر. الخريف ومعه أقبل من بعيد خريف الاستقلال. وصل ولا مفر. سيظل ذكرى فقط في خواطر الليبيين وصفحة من تاريخهم الماضي. تغيرت الأحوال. قلب الليبيون الصفحة. بدأوا صفحات أخرى. المجهول في الأفق. والغيوم تتجمع.
والخطاب فهم من اللحظات الأولى من العارفين والمتابعين. 
حطت الطائرة في بنينا في الظلام وهبط منها فتحي الديب ومحمد حسنين هيكل وآخرون من القاهرة. أرسل بهم عبدالناصر. أول سؤال من هيكل.. (أمال عبدالعزيز بيه فين؟) أجيب: بأنه رهن الاعتقال. رجع هيكل مبهورا والتقط الصور الأولى في القنصلية المصرية في بنغازي في تلك الاجتماعات مع الضباط دون أن يظهر الوجه الحقيقي لقائد الحركة. وعدة مقالات وتحليلات وتفسيرات. وسيق من بقى في البلاد من مسؤولي الدولة وضباطها وموظفيها جملة واحدة إلى التوقيف والسجن واستعملت الكثير من الفنادق في بنغازي أماكن للاعتقال.
الأهرام والصحافة المصرية عموما والإذاعة هناك بكل محطاتها شرعت ماكينتها في الضخ والنفخ. الدعاية والتأثير المصري لعب دورا لا يستهان به تلك الأيام. والمظاهرات والمسيرات لا تتوقف. تهدر في الشوارع والساحات والميادين. ثم يوم الثلاثاء 16 سبتمبر الظهور الأول أمام الضريح وفي الخلف الضباط والغدارات والأسلحة والشعارات. الخطاب الأول واللقاء الأول. استعمل معمر القذافي بدلة الضابط عبدالمطلوب عزوز. كان مشهورا بحسن قيافته وهندامه. كان في الخارج مرافقا لأخته للعلاج. عتل القذافي غرفته في قاريونس واستولى على البدلة وظهر بها. بدايات الاعتداء والإهانة للآخرين دون وجه حق. ثم الثلاثاء 23 سبتمبر اللقاء الثاني في سبها في ملعبها البلدي. ثم الخميس 16 أكتوبر اللقاء الثالث في ميدان الشهداء بطرابلس. والحصاد هو اللعنات على العهد البائد والعرش والدعوة للوحدة العربية والاشتراكية وتحرير القدس وتجريم الحزبية والوعود بالحرية ومعاقبة مسؤولي ذلك العهد. والمظاهرات لا تتوقف وبرقيات التأييد والحناجر لا تمل ولا تتعب. والعبارات الملونة في الشوارع تقذف ذلك العهد بكل العبارات السوداء. وفي الأيام الأخيرة قبيل الحركة وصل إلى بنغازي خالد محادين الشاعر والكاتب الأردني ليعمل في الصحيفة الرسمية الأمة. يشارك بقصائده في لهيب الثورة ويترك عمان خلفه. وكذا الكاتب المغربي عبدالقادر الإدريسي في صحيفة الزمان. لكنه يغادر بعد ذلك دون أن يكتب شيئا عما حدث في ليبيا. فيما كان يتواجد في بنغازي أيضا الشاعر محمد الفيتوري وزوجته الممثلة آسيا محمد توم الطاهر. كانا قدما لإعداد مسرحية عن عمر المختار بمباركة ودعوة من وزارة الإعلام والثقافة السابقة. ثم تغيرت الأمور. ظل حبيس فندق بنغازي بالاس. وتغيرت فيما بعد الجلود ألف مرة!.
خليفة الفاخري يحذر من مزالق الطريق في مقال بهذا العنوان ومن تكرار تجربة الحزب الواحد أو التنظيم الواحد للسلطة إضافة إلى المتلونين من الأقزام الذين يركبون موجة كل عهد. والكتابات تستمر من آخرين. توقظ الأحاسيس وتنبه المشاعر نحو الاستقرار والهدوء وعدم الركون إلى العاطفة والحماس الأجوف. وعمرو النامي يرسل مقالة بعنوان كلمات للثورة من لندن حيث يوالي دراسته العليا في كامبردج يطلب فيها من الجيش العودة إلى معسكراته. وينشرها في صحيفة الثورة. وآراء وكتابات كثيرة في مختلف الصحف.
تمضي الأحداث بقوة. يبقى الكثيرون في الاعتقال. يتم استبعاد الكثير من ضباط الجيش. يعينون لاحقا سفراء في الخارج أو في وظائف مدنية مختلفة داخل البلاد. ومفاوضات الجلاء تنطلق مع بريطانيا وأميركا وتوافقان على الفور.. على نحو لم يكن متوقعا.. وربما كان جاهزا في الأصل!!
النخب في ليبيا بوعي أو غيره لعلها أدركت أنها أسهمت في سقوط الدولة. أغلبها انساق انسياقا كاملا وراء الشعارات والتيارات وتأثرت بها وحاولت أن تحاكي نفس المشاريع على أرض الواقع. ولم تستطع إقناع الناس بذلك في كثير من الأحيان. ظلت محصورة في نطاقاتها. لم تحسن استعمال الحقوق التي كفلها الدستور أو القوانين. ومع ذلك فبعض هذه النخب انتمى إلى الداخل وارتبط ارتباطا وثيقا به وحاول التنوير والإصلاح والتنبيه عن الأخطاء والتجاوزات والثغرات والاستفادة مما هو متاح من وسائل الإعلام والنشر. وظهر في هذا الاتجاه المزيد من المقالات والندوات والمحاضرات والأنشطة والمبادرات الاجتماعية والفكرية التي حاولت أن توثق العلاقة بين المواطن والمسؤول. 
ومع عام 1970. الإرهاصات تستمر. والمتوقع يبدأ في التحقق. يتم التضييق على الصحف الخاصة. تفرض الرقابة عليها قبل النشر. نشاطات في الجامعة ولقاءات. في أبريل يأتي إلى بنغازي المستشرق الفرنسي جاك بيرك. يلقي محاضرة عن الإسلام وحضارته. في مدرج رفيق يقدمه د. عبدالرحمن بدوي.
ثم تعلن السلطة عن الشروع في بناء التنظيم الشعبي. مقترحات ومقالات وآراء. وتصنيفات لكل الأصوات في الخفاء. الأسطوانة القديمة المكررة. بعثي. شيوعي. أخواني. قومي. عميل. رجعي.. وهكذا. ثم دعوة في تلك الأيام عن إقامة ندوة الفكر الثوري للنظر في: تحديد قوى الشعب العاملة صاحبة المصلحة الحقيقية في الثورة. التنظيم الشعبي ووعاؤه. الوحدة العربية. مشكلة الديمقراطية في مرحلة التحول الثوري. مسؤولية الحكم في مرحلة الثورة الاجتماعية. تبدأ في مسرح الكشاف بطرابلس يوم الأربعاء السادس من مايو 1970. ومعها يتزامن فتح المعتقلات لأعداد كبيرة بتهم النيل من الثورة والتآمر عليها.
.. والشمس في الأفق ترنو من بعيد.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات