Atwasat

العقوبات والتطبيع والعظمة المقوَّضة

سالم العوكلي الإثنين 17 أغسطس 2020, 12:37 مساء
سالم العوكلي

ثمة موضوعان ساخنان في هذه الفترة، ورغم أنهما لا يمتان لبعضهما بصلة مباشرة، إلا أن أفق العالم الجديد يتشكل من خلالهما، وسياق تحليلهما متقارب إلى أبعد حد حيث يرصد الخبران تباعدا غير متوقع بين دولتين حليفتين من الغرب الأوسط، وتقارب متوقع بين كيان ودولة من الشرق الأوسط.

في الحالة الأولى يلعب البعبع الروسي دورا مهما في تهديد الولايات المتحدة لفرض عقوبات على ألمانيا وسحب آلاف من قواتها المتواجدة في خمس قواعد أمريكية على الأرض الألمانية. وفي الحالة الثانية يلعب البعبع الإيراني دورا مهما في إعلان التقارب بين دولة الإمارات والكيان الصهيوني.

يعتبر التأزم الذي وصلت إليه العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا الأول من نوعه منذ نهاية النازية، والظاهر، أو القشة التي قصمت ظهر الفيل الأمريكي، تحال إلى خط الغاز الشمالي الممتد من روسيا إلى ألمانيا مرورا ببولندا، غير أن هذا التوتر يأتي في سياق سياسة الولايات المتحدة الترامبية التي تمثل ملمحا لموقفها الجديد حيال مفاهيم الصديق والعدو، وتحكيم مبدأ الصفقات في تحديد السياسة الخارجية لأمريكا، وكان شعار ترامب في بداية حملته (عودة أمريكا قوية) والذي يكرره الآن بتعديل طفيف (استمرار أمريكا قوية) باعتباره أعادها قوية خلال فترة حكمه الماضية التي عطل فيروس كوفيد نصفها. لكن المفارق أن ترامب قوض في هذه الفترة كل مرتكزات عظمة الولايات المتحدة التي بنيت عليها فكرة كونها الأمة الأقوى في العالم، حيث لم تكن القوة العسكرية إلا جزءا من هذه المقومات. فعظمة أمريكا كانت تتمثل في تحملها الأعباء الأكبر في العالم، وطبيعة سلوكها مع أعدائها وأصدقائها، وحماية حلفائها في العالم، وفي دفعها النصيب الأكبر في كل المنظمات العالمية لأن اقتصادها هو الأكبر بفضل هذا الموقع الذي احتلته في العالم وليس العكس. وما حدث في هذه الفترة أن قُوضت كل هذه المقومات تباعا، فربطت دعمها لأي دولة بدفع مقابل الحماية وكأنها شركة أمنية خاصة، وانسحبت من أهم المنظمات والمعاهدات الدولية المهمة أو قلصت دعمها لها أو أوقفته، فأمريكا لم تخلق عظمتَها القوةُ العسكرية أو الاقتصادية فقط، ولكن طريقة إدارتها للعالم التي أرساها رؤساء مهمون سابقون من الحزبين، حين كانت أرض أحلام المهاجرين داعمة للدول الفقيرة، ولها مواقف ثابتة من القضايا العادلة، وغير ذلك من المقومات التي بدأت في الانحسار منذ مقتل الرئيس كينيدي إلى أن أطلق عليها ترامب رصاصة الرحمة حين حول البنتاغون إلى شركة أمنية خاصة، والجنود الأمريكيين إلى مرتزقة للإيجار، وسياساته الخارجية إلى تجارة عقارات.

فيما يخص المعاهدة بين الإمارات وإسرائيل، فالأمر العجيب أن هذا التقارب يقدم تحت عناوين غريبة (معاهدة للسلام بين الإمارات وإسرائيل) أو (هذا الاتفاق سيحقق السلام والاستقرار في المنطقة) وكأن الحروب مشتعلة يوميا بين الإمارات وإسرائيل، أو كأن حروب استنزاف بينهما تهدد الاستقرار في المنطقة، فالإمارات ليست من دول الطوق حول إسرائيل، ولم تشارك في أي حرب ضد إسرائيل، ولم يسبق أن قُتل إماراتي في إسرائيل أو إسرائيلي بيد إماراتية، ولم تحدث حتى مشاجرة بالأيدي بين إماراتي وإسرائيلي ولو في بار من بارات العالم، كما أن الإمارات تحارب يوميا الحوثيين المتمردين الذي يرفعون شعار(الموت لأمريكا الموت لإسرائيل .. اللعنة على اليهود)، دون أن ننسى ما قدمته وتقدمه من معونات إنسانية للفلسطينيين مثل دول أخرى غير عربية وغير إسلامية. بل إن مواقف برلمانات أوروبا كان أكثر حدة من مواقف الإمارات، وقول (معاهدة سلام بين الإمارات وإسرائيل) يشبه قول (معاهدة سلام بين النرويج ولوكسمبورغ)، وهي لا فتة لن تفيد أحدا إلا ترامب ونتنياهو في استحقاقاتهما الانتخابية. لكن الحبل سيكون على الجرار فيما يخص التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، طالما البعبع الإيراني مازال يتسكع في المنطقة ويهدد فعلا دول الخليج للدرجة التي أصبح معها يشكل خطرا راهنا أكثر من إسرائيل.

وهذا يحيلنا إلى طبيعة الصراع الحالي في المنطقة الذي يجعل بعض الدول العربية تتقارب مع العدو التاريخي للأمة الكيان الصهيوني. فمهما تقنع بالدين أو المذاهب واستخدمها كوسيلة حشد فالصراع الآن في جوهره صراع قوميات، أو بمعنى أدق قوميتان تداعبهما من جديد أحلام السيطرة على القومية العربية (وحين أقول القومية العربية أعني الأقطار التي تتحدث وتكتب باللغة العربية أو اللهجات المتفرعة عنها والمنضوية تحت جامعة الدول العربية بكل مكوناتها). الفرس من جانب والأتراك من جانب آخر، وعبر تنسيق غير معلن يتجنب التداخل بينهما في مناطق النفوذ، مستغلين حلفاءهم المذهبيين، أو الإثنيين، أو عبر التنظيمات الإسلامية العالمية، ومستغلين الفوضى التي أعقبت الربيع العربي وانهيار العديد من الجيوش المركزية منذ حرب الخليج الثانية.

الفرس يسعون إلى التمدد في الهلال الخصيب عبر استثمار التلاعب بالأقليات المذهبية أو العرقية الغاضبة في دول عربية لم تنجح في تحقيق أي انصهار وطني، وبالتالي تطويق المملكة العربية السعودية، والأتراك يسعون للتمدد في الشمال الأفريقي وجنوب المتوسط عبر حلفائهم من تنظيم جماعة الأخوان، وتطويق مصر، باعتبار مصر والسعودية يشكلان عصب القومية العربية. ولا يوجد تداخل بين هاتين الرغبتين إلا في سوريا وهو التداخل الذي تحاول أن تنسقه مؤتمرات أستانا التي تشترك فيها تركيا وإيران مع روسيا، مع غياب أي طرف عربي أو سوري، مثلما حصل في اتفاقية سايكس بيكو.

ومن خلال هذه الأطماع المعلنة بدأت بعض الأنظمة العربية ترى، ولو من خلف برقع، أن القومية اليهودية هي الأقرب لها، ليس بسبب الخطر الإيراني المشترك فقط، ولكن عبر مشاعر الانتساب إلى جد واحد، ونسب لغوي واحد وامتداد ثقافي واحد. كما أن التطبيع مع إسرائيل يضمن الرضا الأمريكي المهم ولو لأجل ما. أما حقوق الفلسطينيين فلم تعد مقلقة ولا أولوية كما كانت، خصوصا حين انتشرت في العالم مخيمات جديدة يقطنها الملايين من رعايا دول عربية مستقلة.

لذلك فإعلان تطبيع أي دولة عربية الآن أو مستقبلا يشبه فقط إعلان قصة حب قروية كانت في طيي الكتمان، وكل ما أتمناه مستقبلا أن تتجه كل دولة تريد التطبيع إلى استفتاء شعبها، ولو من باب ذر الرماد في العيون، لأن ما يحصل حتى الآن هو أن الأنظمة تطبع وتوقع المعاهدات بينما الشعوب تبقى على النقيض تعبر بطرق مختلفة عن رفضها المكبوت.

حضرت مرة مباراة ضمن بطولة العالم لكرة اليد بين مصر وإسرائيل، أقيمت في هولندا العام 1995، ورغم أن الفريق المصري كان من أقوى الفرق، والفريق الإسرائيلي كان من أضعفها، إلا أن المصريين تركوا اللعب وبدءوا في ضرب الخصوم، وطرد الحكم ثلاثة من لاعبي مصر، وبعد انتهاء المباراة قام حارس المنتخب أيمن صلاح بضرب أحد المشجعين الذي كان يحمل علم إسرائيل وخطف العلم منه ليتحول الملعب إلى ساحة معركة، وخسر المصريون المباراة ولكنهم كسبوا حب قاعدة شعبية عريضة لن تُطبع مع الإسرائيليين أبدا طالما الحقوق منتهكة والأراضي الفلسطينية محتلة، وفي النهاية ظهرت صورة لفريق كرة اليد الإسرائيلي والجبس يغطي أكتافهم ومعاصمهم وكأنهم خارجون من حرب. تلك الصورة كانت تقول (تطبيع الحكومات شيء أما موقف الشعوب فسيظل مختلفا طالما الظلم قائم). وقادة الكيان الصهيوني يعرفون هذا التناقض بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي، ويعرفون أن لديهم أيضا جماعات يمينية تعتبر التطبيع مع أي دولة عربية خيانة لمشروع (إسرائيل الكبرى). والفارق أن هذه الجماعات الإسرائيلية قد تصل إلى السلطة يوما وترمي كل معاهدات السلام في القمامة، بينما الشعوب العربية الرافضة لا أمل لها للوصول إلى السلطة إلى أجل غير مسمى. وهذا ما يفهمه أيضا الصهاينة جيدا.