Atwasat

بريطانيا: «بريكست» والعقبة

جمعة بوكليب 5 أيام
جمعة بوكليب

تابعت باهتمام، على قناة تلفزية، نقلاً مباشراً لمؤتمر صحفي، عقده في لندن يوم الخميس الماضي، رئيس مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشيل بارنييه، مع نظيره البريطاني ديفيد فروست، بشأن ما دار في الجولة الأخيرة من المفاوضات حول مستقبل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. قضيت كل الوقت منصتاً لما كان يدلي به من تفاصيل في ردوده. ولدى انتهائه، تبيّن بما لا يدعو مجالاً لشك، أن «حمار الشيخ ما زال واقفاً في العقبة». وأن الاتفاق التجاري المأمول والموعود، في مرحلة ما بعد الـ«بريكست»، ما زال مصيره معلقاً في كف الغيب، أو كما وصفه أحد المسؤولين البريطانيين حينما سئل عما إذا كانت المفاوضات في طريقها لفتح ثغرة في الجدار أم الفشل فقال إنها قريبة من الاثنين في وقت واحد.

العقبة المعنية، وفقا لبارنييه، تتمثل في مسألتين مهمتين. الأولى تتعلق بمبدأ التكافؤ في اللعب – LEVEL PLAYING FIELD. والثاني بإشكالية الصيد في المياه البريطانية. ولم ينس بارنييه، خلال المؤتمر المذكور، من أن يعزو السبب في عرقلة المفاوضات إلى تعنّت الجانب البريطاني، وتأكيده كذلك على أن الاتحاد الأوروبي لم ولن يسدد فواتير الـ«بريكست» البريطانية.

الوفد البريطاني أصدر بياناً لخّص مطبات الموقف التفاوضي والصعوبات، وفي سياق يتفق مع تصريحات ميشيل بارنييه للصحفيين. لكن رئيس الوفد البريطاني السيد ديفيد فروست تساءل في تصريح، أدلى به بعد انتهاء جولة التفاوض، عن الأسباب التي تحول بين الاتحاد الأوروبي وعدم الموافقة على منح بريطانيا اتفاقاً مماثلاً كالموقع مع كندا. الجدير بالذكر، أن رئيس الحكومة البريطانية السيد بوريس وأعضاء وزارته لا يتوقفون عن الإدلاء بتصريحات تؤكد على أن بريطانيا ستترك الاتحاد الأوروبي في نهاية العام سواء أكان ذلك باتفاق أو بدونه.

المسألتان الشائكتان أعلاه ذاتا علاقة وطيدة بمسألة السيادة، كما يراها ويؤكد عليها الجانب البريطاني ممثلاً بحكومة السيد بوريس جونسون، وأنصاره من الداعين إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي. وفي الحقيقة، ومنذ بداية انطلاقه (لم يكن الـ«بريكست» موضوعاً اقتصادياً لأولئك الذين تصدروا قضيته، بل السيادة السياسية. أحد أعضاء الوفد البريطاني المفاوض أدلى بتصريح لوسائل الإعلام قال فيه: «السؤال هو هل يمكن للأوروبيين تكييف موقفهم ليكون بإمكانهم الاعتراف بأنهم يتفاوضون مع دولة مستقلة؟».

الحكومة البريطانية لم تفلت فرصة لتؤكد على تلك السيادة. وتحرص دوماً على التأكيد بأنها، بنهاية هذا العام، ستكون لوحدها المسؤولة عن حماية سيادة البلاد وكل ما له شأن حيالها. ووفقاً لذلك، تؤكد أنها الموكلة بأن تتخذ، بكامل الحرية، ما تراه مناسباً من قرارات وسياسات تتسق وتلك السيادة. وهذا، بالطبع، يطال ضمنياً مسألتي النّدية والتكافؤ في المنافسة التجارية بين الشركات التي يحرص الاتحاد الأوروبي على تأكيدها، وتحرص الحكومة البريطانية على أن يكون لها موقفها الخاص النابع من سيادتها، بنيّة مبيّتة غرضها دعم الشركات البريطانية بما يمنحها أفضلية تنافسية عن غيرها. والشيء نفسه يقال عن الصيد في المياه البحرية. إذ ترى الحكومة أن الوضع بعد الخروج من الاتحاد يعني نهاية نظام التحاصص في الصيد البحري الذي كان سائداً، وأن بريطانيا بعد الخروج دولة ذات سيادة، من حقها فرض سيادتها على مياهها الإقليمية، وحصر الصيد فيها على القوارب البريطانية، وحرمان قوارب الصيد الأوروبية.

الموقف من الوضع الاقتصادي، بعد الخروج، وفي ظل ما أحدثته أزمة الوباء من أضرار ظل هامشياً في التصريحات الرسمية مقارنة بقضية السيادة. والدليل على ذلك، أن الحكومة البريطانية لم تكترث، حتى يومنا هذا، بتوضيح كيف يمكن للـ«بريكست» تطوير الاقتصاد القومي. لكنها سارعت مؤخراً بإصدار وثيقة رسمية في 206 صفحة، لتكون مرشداً للشركات البريطانية، فيما يتعلق بالاستعدادات الإجرائية الجديدة، لمرحلة ما بعد البريكست، بخصوص البنية التحتية، والإجراءات ذات الصلة الجمركية بتصدير وتوريد السلع والبضائع في المعابر الحدودية مع دول الاتحاد، وما سيترتب عليها من تكاليف مالية جديدة على الشركات البريطانية تقدر قيمتها بـ215 مليون جنيه استرليني تخص التعاملات الجمركية والإدارية الجديدة، إضافة إلى تكاليف تقدر قيمتها 7 مليارات جنيه استرليني، واقتراح بتجنيد عدد 50 ألف شخص لتعزيز وتقوية قوة جهاز الجمارك ليتمكن من امتصاص الضغوط المتوقعة على المعابر الحدودية بعد الخروج، بسبب الإجراءات الجديدة.

الجولة القادمة من المفاوضات ستكون في الشهر القادم وعلى أمل أن ينتهي التفاوض بالوصول إلى اتفاق في شهر سبتمبر، ليتم عرض الاتفاق على القمة الأوروبية المقرر عقدها في منتصف شهر أكتوبر القادم.

التشاؤل يخيّم على المتفاوضين من الجانبين. إلا أن المراقبين يفضلون أن يضعوا ثقلهم في كفة التفاؤل، بالتكهن بإمكانية قدرة الطرفين على تجاوز العقبة الحالية، والعبور إلى 2021، عام المرحلة الانتقالية، باتفاق مُرض.