Atwasat

حوار مع صديق حائر

سالم العوكلي الثلاثاء 21 يوليو 2020, 03:30 صباحا
سالم العوكلي

في الأيام الفائتة، جرى حوار بيني وبين أحد المعارف، يبدو أنه كان يتابع بعض ما أكتبه ولديه تحفظات، بعضها كان لافتا، وفجأة سألني: ما رأيك في الحرب الأهلية الدائرة الآن في ليبيا؟ فاجأني السؤال الذي كان خارج سياق حوارنا وإن لم يكن بعيدا عنه. فكرت قليلا وقلت: لا أعتقد أن تسميتها حربا أهلية دقيق. فقال وماذا تعني الحرب الأهلية غير الحرب التي تجري بين سكان الدولة نفسها أو قبائلها أو أقاليمها؟ فقلت هذا ما يبدو للوهلة الأولى، لكن، هل الحرب فعلا في ليبيا بين سكانها أو أقاليمها؟ ألا يبدو الأمر أكثر تعقيدا وتشابكا من ذلك؟ . فكل طرف تتشكل قواته من كل جهات وأقاليم ليبيا، وكل طرف ينتشر مؤيدوه في جميع أجزاء ليبيا. فقال إن لم تعتبرها حربا أهلية، فما هي إذاً.؟ قلت له أنا شخصيا أراها حربا بين حزب سياسي ذي أجندة إسلامية "حزب العدالة والبناء" الذراع السياسية لجماعة الأخوان المسلمين، وبين جيش خاض غمار الحرب دفاعا عن نفسه وعن محيطه الاجتماعي ضد الجماعات الإرهابية قبل هيكلته بالشكل الذي كنا نتوخاه، ثم اكتسب شرعيته عن طريق مجلس النواب المنتخب تحت مسمى "الجيش الليبي وفق قرار مجلس النواب الصادر بشأنه وبشأن تعيين قياداته وتحديد مسؤولياته. في هذه الحالة يبدأ الخلط الذي كثيرا ما تطرقت له في كتاباتي بكل تحفظاتك عنها والتي أوافقك على بعضها. والخلط هنا يكمن في المقارنة بين طبيعتَي الطرفين، فمن الطبيعي أن يحمل الجيش ــ أو جيش أي دولة، طالما اكتسب شرعيته عن طريق سلطته المنتخبة ــ السلاحَ، ويحتكر العنف (أميل لتعبير يحتكر القوة بدل يحتكر العنف)، وفي الجانب الآخر حزب من المفترض أن يمارس عمله السياسي سلميا وعبر شروط اللعبة الديمقراطية، لكن في هذه الحالة أنشأ الحزب ذراعا عسكرية خاصة به سماها قوات درع ليبيا يرأس كتائبها الموالون له أيديولوجيا دون حتى أن يتلقوا تعليما أو تدريبا عسكريا، سوى البعض الذي سبق له أن حارب تحت راية الجهاد في أماكن أخرى. وبغض النظر عن هذه التفاصيل فإن كل دساتير العالم تمنع الأحزاب في قوانينها من استخدام السلاح أو حتى حيازته في مكاتبها. قد يبدو هذا الاختزال مخلا حين نتطرق للتفاصيل، لكن جذور المشكلة بدأت من هنا، وكل ما حدث تداعيات لهذا الصراع بين حزب تبرر عنده الغاية الوسيلة، وبين جيش وقوى وطنية رأت في تحالف هذا الحزب مع جماعات مصنفة إرهابيا خطراً على الدولة والمجتمع وعلى المنطقة.

قال محاوري: ولكن الجيش أيضا يستخدم قوى سلفية إسلامية ضمن صفوفه، وهنا قلت له: الآن أنت تنظر إلى الشجرة وليس الغابة. وهذا التفصيل حتى وإن كان وجيها يستخدم عادة للتشويش على الصورة العامة، والثوابت التي من المفترض أن ينطلق منها بناء الدولة الوطنية ، وهذا التشكيل الإسلامي الذي يخضع تماما لأوامر المؤسسة العسكرية بحكم عقيدته لا يقارن بتنظيم إسلامي لدى الطرف الآخر كل السلاح والميليشيات والمؤسسات السيادية هي التي تخضع له. وردا على ملاحظته أن الجيش الوطني المفروض أن لا يقاتل على أرضه سوى الغازي الخارجي، كان ردي أن الجيش اضطر للقتال على أرضه بسبب الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون التي سرقت مرحلة ما بعد التغيير، وشكلت دويلات داخل الدولة التي من المفترض أن تُبنى سياسيا وفق مواد الإعلان الدستوري، واضطر للقتال لأن حزبا سياسيا خسر الانتخابات فلجأ للسلاح لفرض سلطته بالقوة، وحتى في الدول الديمقراطية تُستدعى الجيوش في حالة التظاهرات الشعبية التي تخرج عن السيطرة، ما بالك حين يكون الأمر جماعات مسلحة كاملة خارجة عن القانون تستخدم جميع أنواع السلاح وتٌدعم من أطراف خارجية، وتحت سلطة حزب عقيدته معلنة بكونه يتبع تنظيما عالميا مخترقا للحدود، ضد مفهوم الدولة القطرية ومفهوم الوطن، مثلما كانت عقيدة التيار القومي المتطرف التي تبناها النظام السابق في ليبيا ضد الدولة القطرية وضد مفهوم الوطن الليبي، ما جعله يذيب ليبيا في سياقات إقليمية وأممية، ويلغي اسمها من القاموس، وخارطتها من مقررات الجغرافيا، ويهدم بوابات حدودها بالجرافات، وفي الحالين لا يختلف الأمر، التطرف نحو أمة إسلامية أو التطرف نحو أمة عربية، لأن الوطن والمواطنة ستكون الضحية الأولى للنزوعين.

وعن تحفظه حيال ذكري للتدخل التركي في ليبيا وتجاهل الدول الداعمة للطرف الآخر، قلت: لأني أعرف أن حين تمر دولة بفوضى عارمة وفراغ سياسي وأمني، تصبح ملعبا للقوى الدولية الباحثة عن مناطق نفوذها ومصالحها، خصوصا إذا كان هذا القطر يتمتع بموقع مهم وثروات كبيرة كما ليبيا، وفي هذه الحالة حين تخرج اللعبة من أيدينا لا نملك إلا أن ندير هذا التدخل بحنكة تحمي المصالح الوطنية ولا تفرط فيها، وبهذا المعنى لم أتحدث كثيرا عن التدخل الفرنسي أو الروسي أو المصري أو الإماراتي أو البريطاني لأن لا دولة منها تحدثت عن حقوق تاريخية أو إرث استعماري في ليبيا، وكل منها لها مدخل يتعلق بمصالح مستقبلية وليس حقوقا عقارية من الماضي، ومن الممكن أن نتشارك هذه المصالح المستقبلية، ولكن لا يمكن أن ندخل حتى في جدل بسيط مع من يتحدث عن شاطئ عثماني في ليبيا أو أخوة له في الدم يريد مساعدتهم. وحين كانت بريطانيا تدعم الطرف الآخر لم أتطرق لهذا الأمر لأني أعتبره طبيعيا، وأعرف صلة لندن بجماعة الأخوان منذ عقود طويلة ومصالحها في ليبيا، وهي لم تتحدث عن أي حق تاريخي أو إرث استعماري، لكنها ترى أن مصالحها المستقبلية مع هذا الجناح.

وفي ختام حديثنا قلت له من باب المزاح (الذي لا يخلو من بعض الوجاهة): لو خُيرتُ بين كل هذه التدخلات لأخترت التدخل الفرنسي، لسبب ثقافي يتعلق بالقيم الجمهورية التي تنحدر منها ثقافة هذه الدولة، ولن يلائمني تدخل دول فاشية مثل روسيا وتركيا، ذاتي المسحة الفاشية، اللتين يقبع في سجونهما عشرات الألوف من سجناء الرأي والمثقفين والمعارضين السياسيين. بالطبع كانت هذه مزحة قد تجعل منها شدة الأزمات رؤية، لكن ما تمنيته وتمناه الليبيون أن يمضي المسار الذي اتخذوه بعد سقوط النظام سلسا، دون أن يتركوا فرصة للتدخلات وهذه الاستقطابات الحادة. ذلك المسار الذي استمر بكل أخطائه وعيوبه حتى وصل إلى مجلس النواب، ولو كان للنواب بعد وطني حقيقي لما قاطعوا هذا المجلس وحاربوه، وجعلوا الصراع حول الاختلافات والخلافات تحت قبته مهما كان الأمر صعبا أو متعبا بدل أن يقسموا هذا الجسم المنتخب، ويفرغوه من محتواه السياسي والديمقراطي، وينقلوا الصراع إلى الجبهات والمحاور، أو ما سماه مُحاوري "الحرب الأهلية" وهي كما قلت حرب بين جيش وبين حزب سياسي مسلح مثلما حدث كثيرا في بعض دول أمريكيا اللاتينية، أو مثل حزب الله في لبنان الذي أصبح أقوى من الجيش، بسبب ما يتلقاه من دعم من دولة إقليمية هي دولة إيران الخمينية. وحزب العدالة والبناء في ليبيا صورة مطابقة لحزب الله في تبعيته العقائدية لدولة خارجية أو تنظيم دولي، وفي تبنيه لإنشاء ذراع مسلحة في مواجهة الجيش الوطني، وفي عرقلته لأي حلول للأزمة الليبية كما عرقل ومازال يعرقل حزب الله أي حلول لأزمات لبنان الخانقة، لأنه يتلقى أوامره من طهران مثلما يتلقى حزب العدالة والبناء في ليبيا أوامره من أنقرة. وحين استغرب محاوري هذه المقارنة واختزال السلطة في حزب واحد، أردفت إن المجلس الرئاسي وحكومته ومجلس الدولة والبنك المركزي ومعظم الميليشيات المسلحة يسيطر عليها هذا الحزب الذي يعتبر محرك سياساتها الخارجية، بما يملكه التنظيم الدولي من نفوذ في بعض الدول الفاعلة، وقدرته على جلب الدعم لكل هذه الأجسام التي لا تمت للإعلان الدستوري بصلة رغم الاعتراف الدولي بالمجلس الرئاسي المنتهية ولايته غير الشرعية في الأساس، وهو تنظيم يجيد سياسة التمكين والتسرب إلى المفاصل المهمة في الدولة، ولا تقف عقبة أمامه إلا الجيوش الوطنية، وهذا ليس مجرد تخمين، لكنه حصيلة وقائع عايشناها يوما بيوم هنا وفي المناطق التي تمكنوا منها أو كادوا.