Atwasat

القبيلة كيان اجتماعي وليست حزباً سياسياً

فلاني عبدالرحمن الزوي السبت 11 يوليو 2020, 11:15 مساء
فلاني عبدالرحمن الزوي

لم تكن القبيلة في المجتمع الليبيي على مر العصورإلا عبارة عن مكون اجتماعي لا يتعدى حدود علاقة المصاهرة والتفاعل البيني في مناسبات الأفراح والأعياد والمواساة في الملمات، وظلت القبيلة في ليبيا داخل هذا الإطار ولم تتجاوزه، ولم تحدث بينها معارك تذكر باسم أو تحت راية القبيلة، قد تنتج عنها مآسٍ وكوارث تسيل فيها الدماء وتتوالد الثارات والضغائن والأحقاد. هذا الترابط الناعم أحد أسبابه أن القبيلة في ليبيا لم تنشأ في جغرافية ومناخ القبيلة بمفهومها وتبعاتها وصراعاتها المعهودة، فلم يكن الحِل والترحال طلباً للمرعى ومصدر المياه دافعاً أساسياً للعصبية، وساد الاستقرار والإقامة الدائمة داخل نطاق القرية أو المدينة وألغى الحاجة إلى الحِل والترحال، هذا كله ساهم في مدنية القبيلة وأسبغ عليها طابع الولاء للجغرافيا بعيداً عن مرابع وكيان ومنهج القبيلة وقوانينها المعهودة.

فمفهوم القبيلة في المجتمع الليبي يختلف اختلافاً جوهرياً عن موروث وثقافة القبيلة في مجتمعات عربية أخرى، فعلى سبيل المثال البعد العرقي والتاريخي عند قبائل اليمن وشبه الجزيرة العربية والأردن مثلاً، نجدها أعمق وأكثر تشبثاً بموروث وعصبية القبيلة، وقد يرجع بها إلى أزمنة غابرة تحدث عن وحروبها التاريخ، القصص والمسلسلات الإذاعية في تلك المجتمعات لم تستطع التخلص من بصمة ذلك الإرث أو تجاهله وظل يرافقها كظل ولون من ألوان الواقع والحياة فيها، ولا يزال يطل برأسه من حين لآخر، أما إذا نظرنا إلى القبيلة في القارة الأفريقية ومركبها وطقوسها، فالأمر أكبرعمقاً وتشبثاً بإرثها وعاداتها وقوانينها على مختلف الأصعدة، إذ يصل التوظيف العنصري والسياسي للقبيلة إلى درجة المذابح والمجازر والتصفية العرقية التي تؤدي إلى جريان أنهار من الدماء بسبب الصراع على السلطة أو السيطرة على موارد الطبيعة أو الصراعات السياسية، ما حدث في روندا منذ ثلاثة عقود مضت بين «التوتسي» و«الهوتو» ليس ببعيد لولا إنبثاق مشعل السلام والمدنية وتفتق العقل المبرأ من ذلك الإرث الموبوء، والسعي والعمل والإصرارعلى البناء بنية وطنية صادقة وعلى وقف النزيف وتضميد الجراح بضمادة بلسمها وحدة الوطن والمحبة والسلام، فكان من نتائجها التئام تلك الجراح ووقف شلال الدم بين أبناء الوطن الواحد بعيداً عن نعرة القبيلة وثقافتها الرافضة للآخر، لينطلق الوطن بعدها نحو التقدم والاستقرار والازدهار والنماء، تظلله راية وطن واحد قبيلته هي كل مكونات المجتمع الرواندي.

القبيلة في ليبيا بالرغم من بعديها العربي والأفريقي، إلا أنها ظلت على درجة من الوعي والحس الوطني الشمولي مما جعلها محصنة ضد وباء القبلية ونزعته العرقية، فالبرغم من ازدواجية الدافع والمحرك القبلي عربياً وأفريقياً، إلا أن القبيلة في ليبيا ظلت خارج الصدفة ولم تفلح كل التيارات من الزج بها وحشرها في أتون السياسة أو الحروب والنزاعات الأهلية.

كل المحاولات السابقة لبدونة المجتمع الليبي لم تفلح، وظل الولاء القبلي ولاءً مدنياً جغرافياً بشكل واضح وداخل محيط اجتماعي، انتماؤه مناطقي وليس عرقياً، ولم يستطع أحد توظيفه سياسياً رغم كل التحفيزات والمسميات والألقاب، هذا ناتج عن ما وصل إليه المجتمع الليبي من التعايش السلمي وواقع حياة المدن بمختلف طيفها وكذلك تنوع الجوار وزمالة العمل وتلاقح مكونات المجتمع، بحيث كسرت الحواجز وحدث تجانس وتناغم بين اللقب القبلي كعرق والولاء المدني للمنطقة أو المدينة، فرسم بهذا التنوع لوحة من فسيفساء التقت فيها كل ألوان الطيف واللهجة والعادات وتنوع الفنون والحِرف، وأصبح الولاء والتسمية والانتماء ذا صبغة مدنية حضارية، وتشتت الجين والعامل الوراثي بسبب المصاهرة، التي اقتحمت أسوار القبيلة بين مختلف العائلات والعشائر والقبائل، وصهرت العرق في دم واحد ممزوج مع دماء المدينة وجغرافيتها المتعددة الفصائل والأعراق واختلط الحمض النووي ولم يعد عنواناً لعرق القبيلة، وتلاشى الجين الأوحد بكل عيوبه ومميزاته إن وجدت، وظل مجرد لقب مقيد في ورقة العائلة وشهادة الميلاد أو بطاقة الهوية.

هذا التغيير الديموغرافي كان من نتائجه التخلص شبه الكامل من التعصب القبلي الجاهلي، الذي مقته ونهى عنه الدين الإسلامي، وتم حصره في حدود العلاقات الاجتماعية المبنية على التعارف والتسابق لأجل الخير والمصلحة العامة والمشتركة للمكون المدني للمجتمع.

لقد لاحظنا، وللأسف الشديد في الآونة الأخيرة، محاولات محمومة لتوريط القبيلة في أتون ودهاليز السياسة من الداخل والخارج، ففي الشأن الداخلي كان السعي للسلطة كغاية بررت الوسيلة وحاولت خلق كيانات جهوية وتحالفات قبلية داخل المجتمع الليبي الواحد وهذه في حد ذاتها نزعة تشرذم لا تخدم مستقبل الوطن ووحدة شعبه وأرضه، وقد تكون سبباً في إراقة الدماء وإحياء نعرة الجاهلية دون وعي وإدراك للمخاطر المسقبلية المترتبة عليها.

من خلال هذا السرد الموجز فإنني أرجو وبالدرجة الأولى أبناء ليبيا بمختلف طيفهم العرقي الصحوة والإدراك لما يجري حولهم، وأن يكونوا أكثر وعياً وفطنة، وينتبهوا للشراك الذي ينصب لهم والمستنقع الآسن والمتخلف الذي يساقون إليه من قبل أعدائهم من قبل سياسات دول عربية وغربية لها أطماعها وأجنداتها الخاصة تجاه ليبيا وثرواتها، هذا الاعتقاد مبني على متابعة تفاعل رؤساء دول غربية وعربية في الوضع الليبي الراهن ومحاولة توظيفه التوظيف الضار والمدمر لمكون ووحدة ومصلحة الشعب الليبي ومستقبله وأمنه واستقراره، وهذا بكل تأكيد سيكون من نتائجه أن يصعب ويتعذر على الشعب الليبي بناء دولته الديمقراطية التي ضحى من أجلها بالمهج والأرواح، وهو ينتظر ولادتها بفارغ الصبر.

على أبناء ليبيا وإن كانوا لا زالوا يستظلون بمظلة القبلية اجتماعياً، أن يحافظوا على وطنهم وسمو رسالتهم ومكونهم الاجتماعي الطاهر والنقي، الذي ظل على مرور الزمن ساهمت كل قبيلة فيه لتكون لبنة من لبنات بناء الوطن والدولة ومكوناً من مكوناتها الأساسية بعيداً عن وباء القبلية بمفهومها الأعمى والمتعصب للعرق، فقد كان هذا الداء سبباً في حروب طائلة وخسائر جسيمة دفع ثمنها أبناء الوطن الواحد في أماكن أخرى وأدركوا حجم الكارثة بعد فوات الأوان. حفظ الله ليبيا وشعبها من التشرذم والتقسيم والانجرار وراء الجهوية والقبلية والأطماع السلطوية.
د. فلانـــي عبدالرحمن.