Atwasat

من "البمبه" طير يا حمام

محمد عقيلة العمامي الإثنين 29 يونيو 2020, 10:44 صباحا
محمد عقيلة العمامي

لإمارة الشارقة موقع أدبي لأرشيف غاية في الأهمية، عثرت عليه عندما كنت أبحث عن موضوع ما، كنت قد قرأته في مجلة الهلال المصرية، فوجدت أمامي أعداد هذه المجلة منذ العدد الأول الذي أصدره جورجي زيدان سنة 1892. أثناء تصفحي، وجدت مقالا للدكتور بطرس بطرس غالي، نشره بمجلة الهلال في مطلع سنة 1973 أي ثمانية عشر سنة قبل أن يصبح الأمين العام السادس للأمم المتحدة. كان خلال تلك الفترة أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في جامعة القاهرة، قبل أن يكون عضوا في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي، وقبل أن يترأس رئاسة مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية.

كانت له، فيما يبدو، نظرة حالمة لعلها تزامنت مع الإرهاصات التي تأسست على أن العالم مقبل على تكتلات، ومشاريع اتحادات، فرضتها حالات التقارب المتسارع بين مختلف دول ودويلات العالم، التي بان واضحا لها أن الطاقة والاقتصاد هما سلاح المرحلة القادمة، وأن الاتحاد فيما بينها هو وسيلتها لمجاراة هذا التطور.

استعرض الدكتور بطرس غالي، أفكارا ومقترحات سابقة لاتحادات أبرزها، أو لعله أقدمها، ما قدمه المفكر الفرنسي (أمريك كروشوية) في القرن السابع عشر الذي، نادى بوحدة أوروبا، مقترحا أن تكون (البندقية) هي الأنسب، كما يراها، عاصمة لهذا الاتحاد الأوروبي.

أما (سوللي) وزير خارجية هنري الرابع ملك فرنسا، فاقترح ثلاثة عواصم: (كراكوفيا) في بولندا عاصمة لوحدة تتحقق ما بين (بولندا، والسويد، والدنمارك، وألمانيا) والثانية (ترانت) الإيطالية وتكون عاصمة (لسويسرا والمجر وإيطاليا) والثالثة باريس، وتكون عاصمة (لفرنسا، وإسبانيا وبريطانيا وهولندا).

جاء بعدهم (القس سان بيير) فاقترح (أوترت) الهولندية عاصمة للاتحاد الأوربي، فلقد قدم مشروعه من خلال كتابين تكونا من 1200 صفحة عن السلام في أوروبا، صدرا في مطلع القرن الثامن عشر، وتصدر الفصل الأول مقترح العاصمة.

تناول المقال الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف أن واشنطن أنشأت كعاصمة تجاوزا للصراع بين الولايات، وأنشأت البرازيل مدينة (برازيليا) لتكون عاصمة لها.

كان إحساس الكاتب كبيرا بأهمية هذه الاتحادات، وكانت سنة 1973 مفصلية بينت أهمية الاتحاد، وانتبهت أمريكا بعد مايو من العام نفسه إلى أهمية البترول كسلاح، واجتهدت أوروبا في تأسيس اتحادها. في المقال الذي أشرت إليه قدم لنا ما يراه مكانا مناسبا ليكون عاصمة لاتحاد "الولايات العربية"، مثلما سمى الدول العربية في ذلك الوقت؛ استعرض العواصم الأكثر شهرة كالقاهرة ودمشق ومكة وبغداد، ولكنه يرى أن عاصمة هذا الاتحاد يتعين، أولا، أن تكون في وسط العالم العربي، وثانيا أن يكون الوصول إليها سهلا وسريعا برا وبحرا وجوا، وفوق ذلك أن يكون جوها معتدلا طوال العام، ثم يسمح موقعها بتلاقي وعبور التيارات الفكرية والتجارة العالمية.

واستخلص في النهاية أن المنطقة من السلوم إلى طبرق هي الأنسب لتكون عاصمة لاتحاد الدول - أو الولايات- مثلما أسماها. عند هذه النقطة تداعت إليَّ تفسيرات تفضل بهما محللان سياسيان، ليبيان، فسرا الصراع الذي كلما تغلبنا على سبب من مسبباته وجدنا سببا آخر.

أحد المحللين السياسيين الليبيين البارزين، ذكر صراحة أن سبب الصراع في ليبيا بين القطبين الكبيرين هو أن أحدهما عينه على سرت باعتبارها تتوسط ليبيا وتتصدر أفريقيا وتواجه أوروبا، ولأنها لا تريد الطرف الآخر، ويقصد روسيا، أن يؤسس قاعدة مشابهة في الشرق الليبي والمصادفة أن تسريبات بينت أن الموقع المستهدف، هو بالتحديد، الموقع الذي حدده الدكتور بطرس غالي!

الصراع في ليبيا، إذن، ليس بسبب الموارد الطبيعية فقط ولكن بسبب الموقع، وهو الأهم. ولهذا وُظف "مقاول" ليقوم بإيقاف مشروع هذا الموقع الذي يتوسط الدول العربية! حدث ذلك من بعد انتبهت إلى أنها أخطأت في حساباتها فصححتها من قبل أن تصل روسيا إلى خليج البمبه الاستراتيجي!

ولعل من وظف (أردوغان) انتبه، أيضا، إلى أن أخطر هفوات البشر هي الاستهانة بالآخرين مهما كان ضعفهم، فالصغير يكبر خصوصا إن كان له ما قد يقنعه أنه كبير؛ ولعل تركيا صدقت أن الاتحاد الأوربي في حالة "موت سريري" ، ثم لا يبدو أنهم نسوا أن أوروبا وصفت إمبراطورتيهم، ذات يوم، بالرجل المريض، وأن بعضا من دول هذا الاتحاد كان ذات يوم ولاية من ولاياتها. وقد تكون سهولة وصولهم إلى طرابلس، إرثهم التاريخي مثلما قالوا، زين لهم أن يكبروا على من وظفهم، ولابد أنهم تذكروا أنهم فرضوا، ذات يوم، على سفنه فدية ليسمح له بالملاحة في المتوسط، فما الذي يمنع أن يحرثوا في بحر كان يوما من ممتلكاتهم. إنه حلم. والحلم بداية لحقيقة بحجم قيام عاصمة، أو قاعدة، لا يعلم أحد إلى أين سيطير حمامها!