Atwasat

عودة إلى الأمام

محمد عقيلة العمامي الإثنين 15 يونيو 2020, 01:39 مساء
محمد عقيلة العمامي

" كَتَبتْ الصحفية (آن مارلو) في مطلع شهر أغسطس2011 مقالا عن بنغازي نشر في عدد من الصحف العالمية، منها صحيفة (ويكلي ستاندرد) وقد ترجمته في حينه ونشرته بموقع ليبيا المستقبل يوم 12/9/2011.

بعدما تحررت البلاد، التقيتُها، وفيما كان الناس فرحين، يتعانقون هنا وهناك، وكأنهم في عيد متنقل، علقت قائلة: "لو أن اهتمام الناس بما سيعملون بعد انتهاء العيد بحجم فرحتهم هذه، ستكون ليبيا جنة العصر الحديث..". ولكن فرحة العيد أخذتنا، ولم نهتم بماذا سيحدث بعده؟ فغصنا في مستنقع حرب قذرة، استفاد منها العالم وبعض من سقط متاع الليبيين فقط!

سنة 1951 كانت مشكلة ليبيا كبيرة؛ فبالإضافة إلى أنها ثالث أفقر دولة في العالم، تسلط على حراكها السياسي من أجل الاستقلال قوتان على مركزين من مراكزها الثلاثة المتباعدة: الإنجليز في طرابلس، والفرنسيون في فزان، أما برقة فكانت إمارة، يحكمها الأمير إدريس السنوسي.

وكان واقع الحال يقول أن الليبيين ليسوا متجانسين تماما، بسبب الثقافة واللهجات، وإحساس بعضهم بالدونية والتهميش. ولكنهم سريعا ما اتفقوا على اختيار النظام الفيدرالي، خشية من شبح التقسيم.

حالنا، الآن، أسوأ مما كان عليه سنة 1951، فالفقر والثراء وجهان لعملة واحدة، وكلاهما مؤثر، ولعلنا نتفق على أن الثراء في وضعنا المزري هذا أكثر خطورة من الفقر!

الفيدرالية، في تقديري، أفضل الخيارات، خصوصا عندما تُفهم أنها ليست تقسيما، ويكفى أن نعرف أن حكومات لدول تعد الأفضل في العالم نظام حكمها فيدرالي، وهي: ألمانيا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية.

أيام النظام الفيدرالي في ليبيا، أتذكر حادثة بسيطة ولكن دلالاتها كبيرة؛ فلقد وصلتْ مطار بنينا شخصية بنغازية معروفة، تعمل في الحكومة الاتحادية بطرابلس. كان الرجل " منتشي" أو كما يقال " متّكيف". اشتم بوليس المطار رائحته فأحاله إلى التوقيف، عُرض اليوم التالي على النيابة، فأطلقت سراحه، لأن حكومة برقة تمنع بيع الخمور وتداولها، ولكن الرجل لم يتداولها أو يتعاطَها في برقة! بل في طرابلس، وقانونها لا يحرم شرب الخمور ولا تداولها؛ والبارات مفتوحة باتساع شوارعها، أما قانون ولاية برقة فيحرمه. تماما مثلما تحرمه عدة ولايات في أمريكا!

ذلك يعني، ببساطة، واختصار شديد أن كل ولاية تضع ما يتناسب واحتياجاتها وقناعتها، من دون أن تفرض على ولاية أخرى ما يناسبها هي. أما دخل الدولة فيقسم وفق نسب تتناسب وعدد السكان، وينفق بمعرفة حكومة الولاية، فيما تكون المشاريع الاستراتيجية، والوزارات الاستراتيجية مسئولية الحكومة الاتحادية.

واقع الحال يقول أنه من المكابرة فعلا ألاّ نقارن حالة ليبيا الآن، بما كانت عليه سنة 1951 وألاّ نعترف أنه ما من نظام يناسب ليبيا الآن أكثر من النظام الفيدرالي، ولعلكم تعون جيدا استحالة قيام دولة برأس واحد وسط هذا التشرذم والتناحر والتخوين وعدم قبول الآخر. فدعونا نناقش أمرنا بهدوء، ومن دون أن نخدع أنفسنا:
1- من بعد 20 أغسطس 2011 بقليل أضاف الناس، ساخرين، صفة الشقيقة على مدينة مصراته. كانت تعمل كولاية مستقلة، وتحصنت الزنتان في الجبل الأشم، وحوصرت بنغازي لسنوات ولا أعتقد أنه من المثمر التحدث بالتفصيل عما حدث وما زال يحدث لهذه المدينة، التي بطوال تاريخها تقدح الشرارة في وجه الطغاة، ثم تكون أول المتضررين من الحريق.
وفيما واصلت مدن الشرق العمل بكل جهد لفك الحصار على بنغازي، وتقريب وجهات النظر واحتضان البرلمان صار لليبيا في خلال ثلاث سنوات عدد من الولايات، أو الإمارات الجاهزة التي لا تحتاج إلاّ لدستور فيدرالي، وهو قائم لم يلغه قانون وكل ما يحتاجه هو تعديل طفيف، والتوافق عليه.
2- ما زالت مساحة ليبيا كما هي، ولكن عدد السكان زاد، واتضح للناس جليا أن هناك أعراقا ما كان الكثير منا يعرف أنها من النسيج الليبي، ناهيك عن أن قواتهم وكثرتهم وحقهم في تأسيس كيان يجمعهم لا يمكن إغفاله، وانا أعني: الأمازيغ والطوارق والتبو.
3- يمكن أن نكتفي بالعبارة التي تقول إن الليبيين ليسوا متجانسين تماما بسبب الثقافة واللهجات، وبضعة أشياء أخرى بانت خلال السنوات الماضية.
4- التهميش وما تشتكي منه المدن البعيدة عن مصرف ليبيا المركزي، وأصبحنا نعاني من شبح قلة الدخل. فيما تغولت جهات أخرى تحت مسميات كثيرة.
وتأسيسا على ذلك، يكون القادرون على حل المشكلة ومعالجة أسبابها، هم أهل المشكلة أنفسهم، بمعني أن لكل مدينة رجالها الذين يفهمون التفاصيل التي قد تغيب عن رجال المدن الأخرى.

وهكذا، ألسنا في الحالة نفسها التي كنا فيها سنة 1951 وتمكن النظام الفيدرالي، حينها، من التغلب على مشاكلنا؟ ألاّ يساعدنا هذا النظام الآن، في الخروج من كارثة التقسيم، الذي صار يلوح بجدية في الأفق بعبارات لم نسمعها من قبل، كتلك التي صنفت سكان بنغازي بأنهم أقلية وسط القبائل المحيطة بها، والتي لم تدعِّ يوما أن (مدينة) بنغازي التي قامت على سبخة الملح، والتي لم تكن يوما تصلح لا للزراعة ولا للرعي هي من أراضيها.

ولا أعتقد أن أحدا يختلف معي أنه من العبث التفكير أنه هناك حكماء في العالم قادرون على تحقيق مصالحة من دون فهم لطبيعة المشكلة وطبيعة أطراف المشكلة، فلا السلوك ولا الثقافة ولا العرف متفق تماما ما بين عائلات تضررت من سنوات الحرب والتقاتل في بنغازي، فما بالك ما بين عائلات مدن متباعدة بامتداد ليبيا.

إن القادرين على حل المشكلة ومعالجة أسبابها، هم أهل المشكلة أنفسهم، بمعنى أن لكل مدينة رجالها الذين يفهمون التفاصيل التي تغيب عن رجال المدن الأخرى، وهكذا يكون الشارع، ثم المدينة وصولا إلى الولاية من يقوم بأمر هذه المصالحة التي لن تقوم دولة ليبيا من دونها.

الحل في الفيدرالية، التي لم تفشل أبدا في مختلف الدول التي تأسست من البداية على أساسها. وهي نظام ناجح حبذا لو صرنا أكثر من ثلاث ولايات. "وحتحات على ما فات ".