Atwasat

محمد الفيتوري

رافد علي السبت 02 مايو 2020, 11:52 صباحا
رافد علي

في ذكرى الدرويش

صادف يوم الخامس والعشرين من شهر إبريل الذكرى الخامسة لرحيل الشاعر محمد الفيتوري، وهنا أضع فقرات بسيطة كنت جمعتها عن الفيتوري في أوقات سابقة.

ولد الشاعر محمد مفتاح الفيتوري في عام 1936 بمدينة الجنينة بجنوب السودان، وانتقلت عائلته إلى الإسكندرية وهو يبلغ من العمر الثلاث سنوات. أتم حفظ القرآن الكريم في سن التاسعة. والده كان صوفيا وقد تزعم زاوية الطريقة الصوفية الشاذلية الأسمرية بالإسكندرية. كان والده منحدراً من أصول أسرة الولي الصالح عبدالسلام الأسمر الفيتوري. جده لأمه تاجر رقيق يعرف باسم علي بن سعيد شريف الجهمي. جدته لأمه تسمى قرعانية كانت زنجية سودانية الأصل، وهي التي زرعت فيه الانتماء للقاهرة السوداء وزنوجها المسحقين حسبما عبرعن ذلك في أوقات ومناسبات مختلفة.

درس الشاعر محمد الفيتوري بكلية العلوم بجامعة الأزهر وتخرج منها في الخمسينيات حيث كان يشق طريقه كشاعر بالقاهرة التي استطاع فيها أن يلفت الأنظار إليه من خلال أسلوبه واهتمامه بأفريقيا عبر نظم الشعر المقرزم المعروف أكاديميا في حينه.
كان أقرب الأصدقاء إليه في تلك البدايات الشعرية بجمهورية مصر العربية من السودان المرحوم محي الدين فارس المهتم بأفريقيا مثله، وهو شقيقه بالرضاعة، وتاج السر الحسن، وخيري عبد الرحمن. ومن ليبيا كانت له صداقة وطيدة مع شاعرين ليبيين هما محمود شندي وإبراهيم شعراوي.

سُلطت الأضواء على شاعرنا الفيتوري وصديقه محي الدين فارس عندما نشر الكاتب المصري اليساري التوجه زكريا الحجاوي مقالا بصحيفة المصري آنذاك بعنوان "شبان صغار سود ينتزعون لواء الشعر العربي". أثارت المقالة العديد من الشعراء المقلدين والمحدثين بمصر حسب وصف المرحوم الفيتوري نفسه عبر مقابلة متلفزة له بالفضائية السودانية أجراها معه الصحفي السوداني الشاب المتميز خالد حسن لقمان في آخر زيارة له لموطنه بالميلاد السودان.

لعل اختلاط الدماء في عروق الشاعر محمد الفيتوري عبر المثلث السوداني المصري الليبي كانت عمقا إيجابيا بكونها كانت ثلاثة مشاعل ملتهبة بعمقها العربي والأفريقي، ومزدانة بروح الصوفية وحالة الاغتراب والتنقل المستمر بمدن عدة في العالم العربي وأوروبا. ويعتبر الفيتوري أن الغربه قدر قد تنبأ به به والده عندما قدمه إلى والدته احتفاء به في اليوم الذي أتم الفيتوري فيه حفظ القرآن المجيد. ويرى أساتذة الأدب أن حالة الغربة تبدو جلية في أشعاره من خلال طرح نفسه كشاعر ينتمي للأرض والإنسان ورفع حالة البؤس والظلم. ولربما أن قصيدته الغربة التي كتبها في 1/ 6/ 1969 لم تلقَ اهتماما كافيا بالدراسة والنقد والتحليل تعكس الكثير في هذه الزاوية، خصوصا وأنه صرح ذات يوم في بداية الألفية وقبل مرضه بأنها من أحب القصائد إلى قلبه.
للشاعر أكثر من عشرين مجموعة شعرية آخرها كان شرق الشمس غرب القمر بحسب المعلومات المتاحة، إذ إنه منذ مرضه عام 2003 لم يكتب حرفا وفقد قدرته علي الكلام تدريجيا وضعفت ذاكرته بشكل بطيء ومتسلسل.

كتب الفيتوري أربع مسرحيات شعرية هي سولارا وعمر المختار ويوسف تاشفين والشعر واللعبة. وقد أحرق موت أميرة ببيته بالإسكندرية بالخمسينيات وهي أول مسرحية كتبها، بعد تعرفه بالقاهرة على خالد أبو المروي مجدد المسرح الحديث بالسودان فيما بعد والذي أطلع الفيتوري علي علم البناء الدرامي المسرحي.

لم تنقص الفيتوري الجرأة الأدبية في الإفصاح عن مواقفه من الأشياء من حوله كشاعر في الشأن السياسي والاجتماعي. ففي مسرحيته الشعر واللعبة يتناول قضية الشاعر واللعبة السياسية، وخيارات الشاعر في المحافظة علي استقلاليته موضحا حجم المعاناة في التعايش مع تلك الضائقة للمبدع العربي المثقلة بلاده بتعسف الحكومات وأنظمته الشمولية. ففي خطوة جريئة أخرى للفيتوري نشر قصيدته سقوط دبشليم بالثمانينات علي صدر صحيفة الناس السودانية، التي كان يعمل بها آنذاك، هاجم خلالها الصادق المهدي حينما كان على سدة الحكم بالخرطوم، واصفا إياه في إحدى أبياته بالديناصور.

و للجراءة الأدبية مكانة خاصة أيضا عند الفيتوري عندما عارض الإجماع الشعري العربي في اعتبار درويش شاعرا للمقاومة مبررا ذلك أدبيا بقوله أن شاعر المقاومة يحب أن يثير ويصدم، لا أن يعيش على ضفاف الوجع واصفا حال الأزمة، مقترحا سميح القاسم رغم الخصومة الشخصية بينهما أدبيا أو الشاعر توفيق زياد للظفر بهذا اللقب عوضا عن درويش. ولم يقف الفيتوري عند هذا الحد في الجراءة عندما صرح للصحفي السوداني حسن خالد لقمان بمطلع الألفية بأن المجدد الحقيقي للشعر العربي بمضمونه الثوري والاجتماعي لم تكن نازك الملائكة بل الشاعر المصري كمال عبدالحليم. معتبرا أن الهالة التي تحيط بالشاعر هي من تغتال الحقيقة، مذكرا بأن نازك قد أوجدت التفعيلة الحديثة للشعر المعاصر دون أي شيء آخر.

فيما يخص قصيدته المشهورة عربيا بأصبح الصبح، وجبت الإشارة إلى أن الفقيد كتبها في أكتوبر من عام 1960 باسم الحصاد الأفريقي وكان حينها في حالة صراع مع محمد عمار وزير الاستعلامات في حكومة عبود، فكتبها مستبشرا بزوال دكتاتورية العسكر شهرا قبل سقوط الدكتاتورية.

وكان المطرب السوداني الراحل محمد وردي قد التقطها بعد أيام معدودة بعد كتابتها وأطلقها كأغنية بعد الإطاحة بالحكومة، وهذا يخالف الاعتقاد السائد عند العامة بأن أصبح الصبح قد كتبت ضد النميري الذي سحب منه الجنسية السودانية، والتي كانت سبباً في حضوره لليبيا ومُنح جنسيتها استناداً لرابطة الدم.

ساد صيت أصبح الصبح من ليبيا عبر أثير إذاعة المعارضة السودانية بطرابلس الغرب خصوصا في فترة الثمانيات مما أجبر نظام النميري لمنع بث الأغنية بتلك السنوات حتى انتفاضة أبريل التي أزاح تحكم النميري وليعود الفيتوري لموطنه الأصلي في عدة زيارات هز فيها منابر الشعر لدرجة أن الناس كانت تتسلق الأشجار لتتفرج عليه ملقيا أشعاره بالعاصمة المثلثة وهو يشدو بقصيدة لدرويش متجول التي كتبها في بيروت بروح صوفية خالصة كأي شاعر سوداني.