Atwasat

العالم في حالة موت سريري

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 19 أبريل 2020, 10:36 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

يشب نقاش كثير ومتنوع حول فايروس كورونا والجائحة المهلكة التي تفشت عالميا بسببه. ومن هذه النقاشات تلك التي تدور حول التكهنات بمستقبل العالم، الاقتصادي والسياسي، بعد انقشاع إعصار وباء كورونا. ومعظم التكهنات والتوقعات تشير إلى أن الوضع سيكون مختلفا تماما.

لكن ثمة من يرى رأيا آخر.

القصاص المبدع، والكاتب النابه خفيف الدم، جمعة بوكليب يذكرنا (1) "أن تعليقات وتحليلات، بعلو وثقل جبال، قيلت وكتبت ونشرت وأذيعت خلال الأزمة المالية التي هزت أركان العالم الرأسمالي العام 2008.." بشأن ما أحدثته تلك الأزمة من اختلالات واضطرابات على مستوى العالم "كادت تقضي على النظام الرأسمالي العالمي برمته، وتحيله أنقاضا". وكانت هذه التحليلات والتوقعات "تؤكد أن الأزمة ستغير العالم، وأن عالم ما بعد الأزمة سيكون مختلفا". لكن انقشعت تلك الأزمة ولم تحدث تلك التوقعات، وما حدث كان "تغييرات وضوابط طفيفة سعت إلى إغلاق ما وجد من ثغرات في النظام المصرفي الدولي. وشاهدنا كيف أن العالم، بعد تلك الأزمة الطاحنة، وبعد فترة زمنية تعد قصيرة نسبيا، قد عاد إلى كامل سيرته الأولى، وسرعان ما نسي أهله ما قيل وما نشر من تنبؤات، وعادوا إلى الخوض فيما تعودوه قبلها".

وقياسا على هذا المثل، يرى جمعة أن "هذه المرة، أيضا، ورغما عن كل التنبؤات، وبعد سنوات قليلة على تلاشي أزمة تفشي الوباء، سيعود قطار العالم تدريجيا، إلى مواصلة رحلته، على نفس حديد قضبانه، وسنعاود، نحن سكانه، شكاوانا من نفس مشاكله وأحواله".

قد يكون هذا التفاؤل محمودا. لكن القياس الذي بُني عليه يتوقف عند العَرَضَ ولا يذهب إلى الجوهر. إنه يغفل فارقا جوهريا بين أزمة 2008 الاقتصادية والأزمة الحالية، التي من غير المعروف متى تنتهي.

فأزمة 2008 حدثت في إطار الأزمات الدورية التي يتميز بها النظام الرأسمالي، والتي تحدث مرة كل عشر سنوات تقريبا، مثلما تنبأ ماركس (2). فالأزمات الاقتصادية بالنسبة إلى الرأسمالية مثل حركات الشهيق والزفير، مثلما عبر تروتسكي. أزمات تحدث جراء تفاعلات الأطراف المنخرطة في السوق الرأسمالي، ومدٍ وجزر تتعرض له عمليات الربح والخسارة. أي أنها تنشأ عن أسباب من داخل "الجسد" الاقتصادي. والنظام الرأسمالي مشهود له بالقدرة على التعافي من الأزمات الاقتصادية. وهي أزمات لا تقفل بسببها المعامل والمصانع والشركات والمؤسسات التعليمية، قسرا. ولا تغلق الفنادق والمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية، إجباريا. ولا تمنع وسائل المواصلات المختلفة، بداية من سيارات الأجرة وانتهاء بالطائرات، مرورا بالحافلات والقطارات. لا يتوقف صيادوا السمك عن الصيد وتزويد الأسواق بصيدهم، ولا يتوقف المزارعون والفلاحون عن الزراعة والفلاحة والذهاب بمحاصيلهم إلى الأسواق، ولا يرغم الناس على سجن أنفسهم في بيوتهم لمديات غير معروفة. يمكن القول، إذا استعرنا مصطلحا طبيا، أن العالم أصبح مصابا الآن بموت سريري. ولذا، نستطيع القول، بثقة، أن هذا العالم سيكون، بعد هزيمة كورونا، خلاف ما كان عليه قبل الدخول في هذه المعركة التي فرضت عليه بغتة.

الأزمة الحالية ليست ناجمة عن عامل من داخل النظام الاقتصادي نفسه، وإنما عن عامل غزاه من خارجه. إنه كارثة طبيعية (حتى ولو كان الفايروس مُخلقا في المختبرات)، مثلها في ذلك مثل حرائق الغابات وانفجارات البراكين والزلازل والأعاصير. لكن ما يميز وباء كورونا عن غيره من الكوارث الطبيعية أن الأخيرة ترتبط بمنطقة جغرافية محددة، وتقتصر آثارها عليها وحدها تقريبا. أما هذا الوباء فينتشر، بسبب ترابط العالم في الزمن الراهن، في أركان الكرة الأرضية كافة.

صحيح أنه وباء، وهذا يعني أنه مسألة صحية، ولكن الإجراءات التي اضطرت دول العالم إليها تتجاوز المسألة الصحية إلى الجانب الاقتصادي بشكل مباشر، ومن المتوقع أن تنعكس على النظام الاقتصادي العالمي، وبالتبعية، على الأنظمة السياسية.

(1) جمعة بوكليب، لقطات كورونية (4): http://alwasat.ly/news/opinions/280295?author=1
(2) عمر أبو القاسم الككلي،زوال الرأسمالية؟ http://alwasat.ly/news/opinions/280295?author=1. وأيضا: عمر أبو القاسم الككلي، كورونا ومستقبل العالم http://alwasat.ly/news/opinions/279810?author=1