Atwasat

الثاني في المنطقة.. الأول في سوريا

سالم الكبتي الخميس 02 أبريل 2020, 10:35 صباحا
سالم الكبتي

مارس 1949. روابي الشام الممتدة قريبا وبعيدا تحتفي بالربيع. الزهور والأقاحي والشقائق. ريف دمشق وبردى والزبداني. العائلات عند قمة قاسيون تبتهج وترنو إلى الجامع الأموي وسوق الحميدية وساحة المرجه والصالحية من عل. والفرح يسود بلا توقف. الدبكات والأهازيج.
قبل ذلك بثلاثة أعوام.. الجلاء . يرحل الفرنسيون وتنال سوريا استقلالها. تختار شكري القوتلي زعيما للبلاد. الأحزاب والصحف والبرلمان والتجارة والحركة تنمو وخطوط التابلاين تؤتي ثمارها عبر خزينة الدولة والرقص والبهجة يمتدان عبر الساحات ورؤوس الجبال. لاشئ يفعم النفوس بالألم والحزن سوى اقتطاع الأسكندرونة منذ عشرة أعوام ماضيات. ومأساة فلسطين التي ستظل لازمة تتردد في كل نشيد وفي كل تغيير قادم نحو استديوهات الإذاعة. بعد ذلك بعام في إبريل 1947 عفلق والبيطار يحلمان ببعث الأمة نحو غد مشرق عزيز. أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة فيما يهتف رفيقهما سليمان العيسى بالصوت العالي.. (أمة العرب لن تموت.. وإني أتحداك باسمها يافناء.

سوريا تبتهج بالربيع ثم يوم الأربعاء 30 مارس ذلك العام تستيقظ على خبر آخر. خبر جديد لم تعهده قبلئذ. وكذا جاراتها العربيات اللواتي وقعن ميثاق تأسيس الجامعة العربية في مارس 1945. لبنان القريب أو شرق الأردن أو في الجزيرة حيث بطاح مكة أو العراق عند ضفة دجلة أو مصر كنانة النيل.

حسني الزعيم الذي من أصول كردية يتقدم نحو الإذاعة. ويودع القوتلي ورئيس وزرائه خالد العظم أحد المستشفيات ويعلن إسقاط النظام. ويعطل البرلمان والصحف والأحزاب والدستور. كان قائدا للجيش. وفي الأساس تلقى علومه العسكرية في إسطنبول وعمل في المدينة المنورة واشترك في الحرب العالمية الأولى ثم استقال بعد وقوعه أسيرا في معارك الحرب العالمية الأولى، لكنه التحق بالقوات الفرنسية في سوريا عام 1921 وأخلص لها ولم يترك التعاون مع فيشي في مواجهة ديغول الذي قبض عليه عقب الانتصار بدخول دمشق وتحريرها. سجنه حتى العام 1944. أعتقه شكري القوتلي (الذي انقلب عليه) وعينه مديرا للشرطة والأمن العام وشارك في حرب فلسطين عام 1948. تأثر كثيرا بالروح العسكرية التركية ثم الفرنسية ووفقا للتقاليد العسكرية البروسية كان يضع مونوكلا على عينه اليمنى ويحمل عصا مثل القادة الفرنسيين.

في رأيه أن الأوضاع اضطربت. الإضرابات والمشاكل في الشارع. المظاهرات الرافضة لتقسيم فلسطين في الذكرى الأولى لصدور القرار وعوامل أخرى جعلت من الجيش السوري يستلم واجبات الحفاظ على الأمن. هدد باستخدام القوة ومنع التجمعات وحمل السلاح وأعلن الأحكام العرفية. ثم أمسك بالمقاليد في يده وأصدر بلاغاته تباعا للسيطرة على الموقف ونال التأييد. كانت الناس تأمل خيرا وإصلاحا للعبث الذي وقع في البلاد. ظل الحدث العسكري مثار الاهتمام في المنطقة والعالم. شئ جديد في سوريا لكنه كان الثاني في المنطقة أيضا. سار على خطوات الأول. كان الانقلاب الأول قام به بكر صدقي (الكردي أيضا) في بغداد في اكتوبر 1936. تغيرت الأمور هناك بسرعة. صراع من أجل السياسة. قتل جعفر العسكري عديل نوري السعيد. الرجل الذي كان عندنا في امساعد واستدرج السيد أحمد الشريف مع نوري باشا لحرب الإنجليز على حدودنا الشرقية أواخر العام 1915. ثم يقتل صدقي بعد عام من انقلابه ويغادر وتعود المياه إلى مجاريها في دجلة وماحولها.

يوم الخامس من إبريل تسلم الزعيم ورقة بخط يد القوتلي من سطر ونصف فقط تضمنت الآتي: (أقدم للشعب السوري الكريم استقالتي من رئاسة الجمهورية راجيا له العزة والمجد). ثم وصل نوري السعيد وأعلن المساندة وبعده حل بدمشق عبدالرحمن عزام باشا أمين الجامعة العربية وقدم الاعتراف بالوضع الجديد.. ثم كرت السبحة. اعترفت المملكتان المصرية والسعودية. ولبنان. تحفظ شرق الأردن وبعدها أمريكا وبريطانيا. أصبح الأمر معترفا به دوليا وعربيا. وردد الزعيم صاحب المونوكل.. (قمت بثورة كبرى لم تكلفني سوى أن أقص شعر أحد السياسيين). لكن الأمور تبدلت. ارتفعت علامات الاستهتار والغرور لديه. القبضة الحديدية. تكميم الأفواه ثم الاستفتاء على رئاسة الجمهورية.. فبات رئيسا في يونيو من العام نفسه وسط هالة من التعظيم والخطب والمدح في المساجد والأماكن والصحف. وأطلق نجيب الريس عنوانا لها وأسماها جمهورية الطامحين التي تعني المجد والطموح والجيش والنظام عبر صحيفته المعروفة في دمشق (القبس).

ومن فترات ماضية كان الليبيون هناك. جزءا من سوريا. بعضهم هاجر وعمل وهناك. بعضهم شارك في ثورة ميسلون مع يوسف العظمة. توزعوا في الإقامة بين حماة ودمشق ودرعا. بعضهم أدار مناطقها مثل القنيطرة. وكونوا هناك جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي. عمر شنيب وبشير السعداوي وفوزي النعاس وعبد السلام أدهم وبكري قدورة الذي سيصبح قائدا لكشاف سوريا ثم يعود لليبيا ويصبح مديرا لجامعتها لاحقا. عائلات ليبية في أحياء دمشق.. عاملون ورجال درك ومن أهل الفن.. نجاح أحفيظ التي عرفت بحيص بيص وياسين بقوش وزكي الإمام الضرير الذي كان يغني أغاني ليبية وسط النساء في الأعراس والمناسبات. اشتهر بينهن بأغنية (ماننساك ياغالي علي.. نين نموت ويعزوك في) وطارق الأفريقي الذي توفي ودفن هناك. وغيرهم من رجالنا ونسائنا. عاصروا سوريا وظروفها في هذه الأحداث وعاشوها.
لكنهم كانوا بعيدين عن مجالات السياسة السورية.

لبنان المجاور شهد أحداثا خطيرة. مواجهات وصراعا بين الدولة والحزب القومي السوري الاجتماعي وزعيمه أنطوان سعادة. الذي أعدم في بيروت نتيجة لتلك التداعيات. وسرت أخبار بأن سوريا الزعيم ومصر فاروق كانتا وراء القبض والإعدام للرجل الذي كانت مهنته الدعوة لسوريا الكبرى والهلال الخصيب.

وواصلت الانقلابات السير على السكة. ظلت لعبة استهوت البعض. بعد خمسة أشهر زعيم آخر يصل إلى الإذاعة ويبدأ مهمته فجر يوم الرابع عشر من اغسطس 1949 بإعدام حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي. كان ذلك هو الزعيم سامي الحناوي. نفس الخطوات. الوعد بالدستور. والقطار على السكة واللعبة لم تزل تستهوي آخرين. فجر العشرين من ديسمبر 1949 وكل القصص تحدث في الفجر كالعادة، يصل العقيد أديب الشيشكلي ويأخذ حصته. ليس ثمة أحد أحسن من أحد.

وخلال ذلك تجري الدماء. يُغتال الحناوي في بيروت. تنتهي فترة الشيشكلي عام 1954. الوعود معلقة. لايحدث أي جديد. وبعد عشرة أعوام يُغتال في منزله في البرازيل عام 1964 . الدم بالدم. الدم يورث الدم. والثأر لاينام. وتدفع الشعوب في المنطقة سنوات من التخلف وانتظار الآمال التي تظل معلقة في الهواء.. منذ الأول في بغداد والثاني في دمشق.. ذهبوا إلى البعيد!!