Atwasat

عند افتقاد الخبز نأكل الغاتوه!

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 29 مارس 2020, 01:45 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

بين الفينة والأخرى، ينبري أحدهم ليشن غارة على المثقفين واصفا إياهم، في أضعف الإيمان، بالهروبية والانسحابية والتخلي عن مسؤولياتهم بصفتهم مثقفين. لكن الملاحظ، حسب تتبعنا، أن هؤلاء المهاجمين الشانئين لا ينتمون إلى الأدباء والكتاب من طراز القصاصين والروائيين وكتاب المسرح والنقاد والمنظرين الأدبيين، وليسوا من أصحاب الكتب.

وهذه ظاهرة لافتة تحتاج دراسات متخصصة تتجاوز مؤهلاتي وقدراتي. لكن تمكن الإشارة إلى فرضيتين أوليين: 1) تشوش بخصوص مفهوم المثقف وعلاقته بالوضعية الاجتماعية ومهماته ومسؤولياته. 2) جانب نفسي يدفع إلى التحامل على المثقفين والتقليل من شأنهم.

اللافت أيضا، أنه، ودائما على قدر متابعتي، ولسبب لا أدريه،لا يتصدى أحد من المثقفين لمناقشة أطروحاتهم. وأنا أرى أن التصدي لهذا النوع من الغارات والرد عليها واجب ثقافي، لأن أطروحاتهم تلقى انتشارا وقبولا من قطاع واسع من القراء.

آخر ما قرأته من "المقالات- الغارات" التي تستهدف المثقفين مقال رافد على "كورونا وأدوار مفقودة" المنشور ببوابة الوسط، السبت 28 مارس الحالي http://alwasat.ly/news/opinions/277878?author=1
الذي يتحدث فيه، بشكل أساسي، عن غياب دور المثقف الليبي، في الداخل والشتات (كما يعبر)، من ميدان المواجهة مع فايروس كورونا!.
بداية لم يحدد لنا الكاتب من، وماذا يقصد بالمثقف. وهو كتب مقاله هذا، مثلما يقول، بمناسبة قراءته كتابَ إدوارد سعيد "المثقف والسلطة"، ويكتفي بالقول، بصدد تعريف المثقف: " فالمثقف، بالمعنى العام الذي يطرحه إدورد سعيد عبر كل المفردات الإنجليزية التي استخدمها في" كتابه هذا... والواقع أن إدوارد سعيد طرح، اعتمادا على غرامشي، تعريفا للمثقف، ليس من شأننا هنا تثبيته أو مناقشته. والكاتب يتحدث عن "افتقادنا في ليبيا [...] للمثقف العضوي كما نادى به جرامشي". مصطلح المثقف العضوي، بالإنغليزية organic intellectual، الذي سكه المفكر الشيوعي الإيطالي الشهير آنطونيو غرامشي Antonio Gramsci يعني به المثقف الذي تكون وظيفته توجيه الأفكار والطموحات الخاصة بالطبقة الاجتماعية المنتمي إليها عضويا [المقصود أنه عضو فيها]. وبهذا المعنى فكل المثقفين تقريبا، تقليديين وحداثيين، دينيين، أيا كانت درجة تطرفهم، وعلمانيين، فاشيين ولبراليين، هم مثقفون عضويون. فعن أي مثقف عضوي يتحدث رافد علي؟.

وإذا ما ركنا مسألة المفاهيم والتنظيرات جانبا، وركزنا على تخاذل المثقف الليبي في جهود المعركة مع كورونا يمكننا طرح بعض التساؤلات، وليس الأسئلة. إذا كان رافد علي يعتبر نفسه جنديا في الجيش الثقافي المفترض، فماذا فعل هو في هذه المعركة؟. وباعتباره يعيش في فرنسا، وقريبا من إيطاليا، نرغب في أن يخبرنا بالأسلوب الذي شارك به المثقفون في هذين البلدين في معارك بلديهم ضد هذا الوباء. وماذا يقترح علي المثقفين الليبيين (في الداخل والشتات) أن يفعلوا بهذا الخصوص؟.

يشير الكاتب إلى حادثة إغلاق مسرح الكشاف في طرابلس سنة 2017 بتعلة ديون متراكمة عليه وكيف "... تباكى ‘‘المثقف‘‘ الليبي على بؤس الحال، وتداعت المناشدات، وتناسينا جميعا كليبيين بأن الحالة كانت فرصة لأن ينتقل المسرح لشوارع العاصمة متنازلا عن عرش الركح، وليمارس على الأرض، وبتجرد، في حالة تلاحم درامي مع قضايا الساعة والعصر، ولربما كانت لهذه الفرصة أن منحتنا – كشعب - فرصة تاريخية في خلق خطاب مثقف موجه للناس ولأرباب الأمر في عاصمة ترزح تحت عبث توازن الرعب وتخبطات الدين والسياسية".

وبعيدا عن المماحكة في الألفاظ، إذ يمكن للمرء أن يتساءل عن معنى (التلاحم الدرامي) في هذا السياق، إلا أن الكاتب هنا يريد منا أن نتغذى على الغاتوه حين لا نجد الخبز! ففي وضع تُحطَم فيه التماثيل والمنحوتات (تمثال الحسناء والغزالة نموذجا) وتدمر فيه الأضرحة التاريخية، وتطمس فيه وجوه النساء وشعورهن في اللوحات الإعلانية، يهيمن فيه الإسلام السياسي وتسرح فيه جماعات التطرف الديني الوهابية، يُهاجم فيه الكتاب لمجرد كتابة بضعة مقالات عن التاريخ والفكر الإسلاميين من وجهات نظر اجتهادية تشكل امتدادا لاجتهاد بعض الأسلاف منذ أكثر من ألف سنة، ويثار فيه غبار هجمة ضارية على كتاب بالغ الأهمية في الحركة الأدبية الليبية الوطنية، هو كتاب "شمس على نوافذ مغلقة" بذريعة ورود كلمة أو كلمتين من كلمات الحشمة في صفحة أو صفحتين من صفحاته التي تزيد عن 540 صفحة، وحظر تداوله وملاحقة محررَيه والمسهمين فيه، وغير ذلك من أفعال القمع والترهيب، في هذه الأوضاع المرعبة يريد الكاتب من المسرحيين الذين أغلق أمامهم مسرح الكشاف، استثمار هذه (الفرصة التاريخية) بالنزول إلى الشارع وتقديم مسرحياتهم وسط الناس!.

أنا أقدر النوايا الصادقة الحسنة لبعض منتقدي المثقفين الليبيين ورغبتهم في أن يكون المثقفون الليبيون فاعلين في المجتمع وفي صدارة حركته، إلا أن منطلقاتهم تنم على تشوش مفهومي ورؤية مغرقة في الرومانسية وتجافي الواقع تماما.