Atwasat

كورونا وأدوار مفقودة

رافد علي الأربعاء 25 مارس 2020, 04:15 مساء
رافد علي

فرضت أزمة كورونا حالة البقاء بالبيت أو العزلة المفتوحة ضمن نهج البطالة الجزئية المفروضة، التي ناشد الرئيس الشاب ماكرون في خطابيه للفرنسيين منذ انفجار الأزمة بالبلاد منتصف الشهر الجاري بأن تكون فرصة مناسبة لاستغلالها في القراءة والاطلاع، فعاهدت نفسي كمقيم منذ بدء التسريبات العامة عبر وسائل الإعلام بإمكانية الدخول في عطلة إجبارية، على الانتهاء من قراءة بعض الكتب والمطبوعات العربية لاستعادة جزءٍ من نفسي خلال هذه المحنة، التي شدد ماكرون على أن تثبت فيها فرنسا للعالم أنها ستخرج منها بتكافل اجتماعي من نوع جديد، بما من شأنه حتما أن يصب في رصيده السياسي كأصغر رئيس لفرنسا منذ الديغولية.

كنت أعرف أنني لن أجد كتابا عن التكافل أو التضامن الاجتماعي بالمجتمعات العربية، لكن كتاب “المثقف والسلطة" للمرحوم إدورد سعيد، كان ما استقررت على تناوله أولا، فقد اشتريته منذ سنوات بعد نقاش على صفحة الأستاذ سالم لوخي بخصوص موضوع الاستشراق، الذي يعد فيه اسم إدورد سعيد من الأسماء البارزة. الصحفي المتقاعد الأستاذ سالم لوخي؛ رجل غزير الإطلاع وصاحب المكتبة المتنوعة، والمتمتع بخبرة صحفية فريدة بحكم أنه كان من أوائل الصحفيين العرب الذين عايشوا الثورة الإيرانية في بدايات عمرها حينما عمل مراسلا بطهران لوكالة الأنباء الليبية “جانا"، كما كانت تسمى سابقا، فالثورة الإيرانية في أساسها عبرت عن تحالف رجال الدين مع قوى اليسار بما أعجز أي محلل ماركسي عن استيعابها كما يؤكد إدورد سعيد ذاته في المثقف والسلطة. لهذا كنت ولازلت أناشد الأستاذ لوخي أن يكتب، و لو مخطوطا، عن تلك السنوات التي قضاها في إيران الخميني كصحفي أولاً وكمثقف ثانياً، أو العكس، كون أن ما سيدونه الاستاذ سيكون مثريا، ويضيف إضاءات جديدة في الشق الصحفي كمهنة، وللشق الثقافي كموهبة حسبما يبرز إدورد سعيد أهميتها للمثقف عبر صفحات كتابه المذكور، ويفرد لها المؤلف فصلا كاملا بالكتاب مركزا على أن يُمارس دور المثقف كهواية تمنح الاستقلالية من قوالب الوظيفة أو التخصص العلمي، مدعما رأيه بالفصل الرابع بأمثلة عديدة لبعض الأسماء البارزة عالميا من ضمنها شخصية المؤلف كأكاديمي يناقش ويحلل ويتمرد أيضا بعيدا عن حقل اختصاصه في الأدب الحديث باوربا وأمريكا.

كتاب "المثقف والسلطة" كان قد قدمه إدورد سعيد أساسا عبر أثير إذاعة الـ بي بي سي البريطانية ضمن سلسلة محاضرات ريث، التي افتتحها براتراند رسل عام 1948ويقدمها سنويا منذ ذلك الحين شخصية بارزة. كان لهذه المحاضرات أن منحت لإدورد سعيد براحاً جيداً لان يمارس حق الرد على كل منتقديه، خصوصاً أولئك الذين نعتوه على مدي مسيرته الأكاديمية أولاً، والسياسية ثانياً، إذ كان لسنوات “صاحب مقعد العضو المستقل" بالمجلس الوطني الفلسطيني؛ بأنه يتهم الغرب بشكل دائم بأنه سبب القلاقل والمشاكل، باعتباره كان يحث الإنسان عموما، والمثقف خصوصا على أن يتخذ موقفاً بجانب الحق الفلسطيني خصيصا، متجردا من مفاهيم "نحن" و "هم" كما هو جار كثيرا اليوم وعلى مدى تاريخ الاستشراق إذ يكتب قائلا في كتابه:

"فلا يشوه أداء المثقف أو المفكر في الحياة العامة شئ قدر ما يشوهه التشذيب والتهذيب، أو اللجوء إلى الصمت حين يقتضيه الحرص أو الانفعالات الوطنية أو الردة والنكوص بعد حين مع تضخم صورة ذاته."

هذه العبارة في الكتاب المذكور جعلتني أتوقف عن دور المثقف الليبي حيال ما يجري ببلاده عموما، لا من تطاحن على السلطة السياسية منذ سنوات شديدة البؤس وحسب، بل وحتي أمام هول فيروس كورونا المروع عالميا اليوم، والذي لولا ألطاف الله أن ليبيا بكل الوهن الذي يعتريها، لم تسجل، حتى كتابة هذه الكلمات، أي إصابات. فالمثقفون بالداخل أو في الشتات، يثبت الحال أنهم في حالة غياب بيّن، وقد فشلوا إلى حدٍ كبير في استثمار هذه الأزمة لأن تكون لبنة للتلاقي فيما بينهم للعمل والتوجيه بشكل جماعي منظم تجاه الأزمة، فما سمعناه أو شاهدناه مع بدايات الوباء كان في الغالب نداءات فردية، مما غيّب فرص خلق صف مثقف ومرصوص لتحريك المياه الراكدة في أرضهم التي لا تملك منظومة طبية قادرة على مواجهة ضراوة الانتشار الوبائي، وتنعدم ببلادهم أيضا أجهزة ناجعة للتعاطي مع توابع الأزمة الوبائية، التي يستميت العالم اليوم في محاولة لرسم سيناريوهات لتقليل وطأة عنفها ومفاجأتها. أين هو المثقف الليبي اليوم من كل ما يجري بالبلاد؟! سؤال يطرح نفسه اليوم علينا جميعا وسط كل هذه الشللية والغياب أو اللامبالاة. ففيما يخص كورونا، التحركات لبعض الإعلاميين والزيارات الجماعية لبعض رجالات الثقافة التي جرت يوم الثاني والعشرين من مارس الجاري يثبت الحال أنها جاءت متأخرة بما يتجاوز الأسابيع من انفجار الأزمة بإيطاليا وبمعدل ما يزيد عن الأسبوع من تفاقم الأزمة في ألمانيا وفرنسا بينما كان الهلع العام من جهة، والاستهتار من جهة أخرى، وغرور البهجة لانعدام أي إصابة بليبيا من جهة ثالثة أسياد الحال بكل ما فيه من ارتباك ودربكة.

فالمثقف، بالمعنى العام الذي يطرحه إدورد سعيد عبر كل المفردات الإنجليزية التي استخدمها في محاضراته تلك؛ لازال خجولا، مالم نقل متلاشيا، فلا يبحث "الفرد" منا على التحلي بالمسؤولية على حساب المصلحة أوالانتماء بحيث أمست اليقظة والوعي في منفىً عجيب أسماه الليبيون ذات حين باسم "الأغلبية الصامتة" في خضم كل الفوضى والانهيار لوطن أضحي على باب الله. مصطلح الأغلبية الصامتة لم يخلقه المثقف الليبي حتماً، بل استعاره من الإنجليزية أو حتى من التحوير المصري له الذي عُرف بـ "حزب الكنبة" الذي ظهر عقب ثورة 25 يناير. ومهما يكن من حال وأصل المصطلح أعلاه، وحجم الفارق في البعد الديمقراطي بين "الغرب والشرق"، وجب التشديد على أن استخدام هكذا مصطلحات أو مفردات فهي تنم عن افتقادنا في ليبيا -على الأقل- للمثقف العضوي كما نادى به جرامشي في مذكرات سجنه، وبما يجزم بحالة فراغ، وبالعوز في ساحة الثقافة ومنابر الخطاب، ويعزز سيادة اللامبالاة بشكل محزن، بل ومرعب. "فالمثقف ليس إشكاله العامة أو الجماهير، بل في الشللية وصوت السلطة في داخله" كونه قد يرى نفسه أرقي "بسبب برجه العاجي".

لازلت أذكر أنه في نوفمبر من عام 2017 صدر أمر بإغلاق مسرح الكشافة في طرابلس بسبب ديون متراكمة، فتباكى "المثقف" الليبي على بؤس الحال، وتداعت المناشدات، وتناسينا جميعا كليبيين بأن الحالة كانت فرصة لأن ينتقل المسرح لشوارع العاصمة متنازلا عن عرش الركح، وليمارس على الأرض، وبتجرد، في حالة تلاحم درامي مع قضايا الساعة والعصر، ولربما كانت لهذه الفرصة أن منحتنا -كشعب-فرصة تاريخية في خلق خطاب مثقف موجه للناس ولأرباب الأمر في عاصمة ترزح تحت عبث توازن الرعب وتخبطات الدين والسياسية.

لازال فعلا "المثقف" - بحسب أوصاف الدكتور سعيد جميعها- يكابد الانتظار لأن يقوم شئ بالبلاد، و نتناسى أن العالم قد شيد عصره بالمثابرة والعمل وحتى بالمجابهة الفكرية مع مجتمعه، فالشعوب "الباهيه" التي بنت صروحها، التي نمارس الانبهار أمامها باستمرار، لم تنلها مجاناً أو كهبة. على المثقف اليوم، طالما أنه يعيش في عالم اختلفت فيه الأشياء، واختلطت فيه المعطيات أن يسعى لمعرفة عصره وأن يبادر لتكريس نفسه لخلق وفهم معايير تتجاوز المصلحة والولاءات وأن يستنكر اللامبالاة منخرطا أكثر في قضايا تصب في صميم مجتمعه، وواقع وطنه ومصيره، بحيث يستطيع قول الحقيقة للسلطة المتمثلة في صورة أعراف اجتماعية أو قرارات إدارية، وحتى قولها للآخر الذي يمارس التهكم الإعلامي على بلادنا من منابر إعلامية عربية هجينة الربيعيات المنفلتة بلا أي احترام لميثاق العمل الإعلامي العربي.