Atwasat

لا أظن أن السيد لوزون يستعبط! (ردا على تصريحات رفائيل لوزون)

علي المجبري الإثنين 17 فبراير 2020, 02:31 مساء
علي المجبري

إذا كان كل مجتمع يأخذ قدرا من طباع الحيوانات اللصيقة به .. فنحن أخذنا من الجمل كلَّ الجمل !

توالت في الفترة الأخيرة تصريحات السيد رافائيل لوزون رئيس ما يسمى بـ "اتحاد يهود ليبيا" وازدادت لقاءاته الدولية وعلق ليبيته الممزقة على أسنّة الرماح ولا أحد يعلم ماذا يريد بالضبط ولا أين حدّد محطته الأخيرة

منذ أن وصل اليهود المهجَّرون إلى ليبيا استقبلهم سكان هذه الأرض كلاجئين وعمال وأسكنوهم إلى جوارهم وأقطعوا لهم الأراضي وسمحوا لهم بتوارثها، وكان حسن الجوار هو السائد بينهم رغم عدم انصهارهم في المجتمع وعدم اختلاطهم بالليبيين عن طريق المصاهرة إلا في نطاق ضيق وحالات فردية لا تكاد تُذكر.

فقاسمهم الليبيون الوطن وتسامحوا معهم في حرية تجارتهم وديانتهم ودور عبادتهم ، ومع مرور القرون أصبح الجميع متساوين في الحقوق.. وكان القطار يمضي على سكته هادئا متوازنا لا يعكر صفو دخانه شيء.

نحن أيضا، سيد لوزون، نحفظ تاريخ أجدادكم المقيمين بيننا لأنه جزء من تاريخنا ومن تاريخ المساكنة والعلاقة الطيبة الحذرة التي سادت لمئات السنين بيننا.

فنحن نقرّ أن اليهود كانوا متواجدين في قورينا وشقيقاتها وحتى في مدن طرابلس الفينيقية الثلاث بعد أن وفدوا إليها كتجار وصاغة ذهب وإنْ بأعداد بسيطة. وهذه الجماعة القليلة تكاثرت بعد استقبالها لاجئين من يهود القدس الذين نكل بهم القائد الروماني تيتيوس وشرّدهم فور إخماد ثورتهم في القدس عام 70 ميلادية.

ومنذ قدوم هؤلاء وتنامي عددهم في قورينا بدأت الفتن والثورات بالإقليم ولم تخمد إلا في عام 118م علي يد القائد الروماني ماركوس توريو.

ولم تكد الأندلس تسقط عام 1492م حتى جاءت الهجرة الثالثة إلى ليبيا كلاجئين فارين من محاكم التفتيش الإسبانية وفي هذه الحقبة كوّنوا لأنفسهم أحياء مغلقة ومعزولة عرفت بـ (الحارة).

ولكن الحنين لإقامة دولة يهودية في ليبيا لم يخبُ، فالتقى هرتزل بأعيان يهود ليبيا في القسطنطنية عام 1892م وحثهم على مشاركته دعوته، ورغم ترحيب السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بفكرة إنشاء الدولة اليهودية في ليبيا إلا أن فيكتور الثالث ملك إيطاليا رفض في عام 1904م طلب هرتزل بتوطين اليهود في طرابلس وتأسيس حكم ذاتي لهم تحت إشراف روما. لأن الملك فيكتور - ببساطة - كانت لديه أطماعه الخاصة في ليبيا.

ولما باء حلمه باستيطان برقة أو طرابلس بالفشل نتيجة خلع السلطان عبد الحميد عام 1909م واحتلال إيطاليا لليبيا عام 1911م، نادى هرتزل بالهجرات المعاكسة وحث يهود ليبيا على الهجرة إلى فلسطين تنفيذا لخطته البديلة وهربا من سوء معاملة الإيطاليين لهم.

ومنذ سنة 1948م استجاب الكثير من يهود ليبيا لدعوته وبدأوا بالهجرة الصامتة إلى إسرائيل. وكان عدد الطائفة اليهودية في ليبيا آنذاك لا يتعدى (21000) نسمة ينحدرون من موجات الهجرة الثلات.

وخلال القرن العشرين لم تحدث أية مصادمات بين الليبيين المسلمين ويهود ليبيا إلا بعد أن هاجمت إسرائيل مصرَ وسوريا والأردن سنة 1967م. لتظهر فجأة موجة عالية معادية لليهود في كل أرجاء الوطن العربي. وليسود شعورٌ عام مؤداه أن يهود بلدانهم هم امتدادٌ وظهيرٌ لإسرائيل وأن هؤلاء اليهود ميالون إلى أبناء عقيدتهم أكثر مما يميلون إلى أبناء وطنهم.

والحقيقة أن يهود بعض البلدان العربية كانوا منقسمين في انتماءاتهم الوطنية والسياسية؛ فمنهم من كان مستعدا للتضحية بأي شيء من أجل وطنه ومنهم من عاش لا يحلم إلا بالهجرة إلى إسرائيل.

ورغم أن يهود ليبيا لم يعلنوا مظاهر الفرح بانتصار أبناء جلدتهم في حرب 1967م إلا أن عددا من الليبيين المشككين في ولاء هؤلاء اليهود لليبيا هاجموا بعض ممتلكاتهم وخربوها ليفرّ اليهود إلى إيطاليا وإسرائيل. وليرحلوا أخيرا عن أراضٍ أقطعوها لهم يوما من الأيام.

ومن بين هؤلاء يوجد اليوم في إسرائيل حوالي (40) ألف يهودي مِن مواليد ليبيا وذرياتهم وهم الآن مواطنون إسرائيليون يتمتعون بكافة المزايا الممنوحة ليهود إسرائيل، ويحتفلون كل عام بأعياد إسرائيل وانتصاراتها على العرب وذكرى الهولوكوست. ولم تعد تربطهم بليبيا إلا شعرة واحدة!.

فمن لم يرحل بعد عام 1948م رحل عام 1967م. حتى إنه يوم تسلّم معمر القذافي السلطة لم يكن في ليبيا سوى مائة يهودي!. وبوفاة أسميرالدا مغناجي آخر اليهود في ليبيا عام 2002م انقطعت آخر شعرة تربطهم بليبيا والليبيين.

السيد لوزون كان واحدا من يهود ليبيا وعاش فيها مِثله مثل غيره من الليبيين، ونحن نحترم الماضي مثلما نحترم الحاضر لهذا نتغنى بعمر المختار ورفاقة ونبرأ ممن تحالفوا مع المستعمر للإيقاع بالشيخ ومن كان معه. ودليلنا، يا سيد لوزون، هو زيارتك لليبيا عام 2010م وكيف حظيت باحترام واستقبال لم يعهدهما الليبيون من حاكمهم معمر القذافي من قبل. ولكن هذا الاحترام يجب أن يُصان وأقله كف النفس عن الهزء بمن أبدى لك هذا الاحترام؛ فكيف تطالبنا بإجراء مصالحة مع إسرائيل وكيف تحثنا على إنشاء شراكة اقتصادية معها؟ وكيف زينت لك نفسك أن تقول: "إن إسرائيل يمكن أن تُصلح الصحراء الليبية لتصبح مكانا للفلسطينيين للعيش فيه"!!... وهذه لَعَمرى كمن (يعزم) أشخاصا لا يعرفهم للعشاء في بيت جاره الذي لا يعرفه!!.

سيد لوزون؛ توقف عن هذا الكلام ولا تجرؤْ على الليبيين!.. فليس عبد الناصر والقذافي وحدهما من كانا يحلمان بسقوط إسرائيل وعودة فلسطين العربية، بل العرب والمسلمون أجمعون يريدون ذلك ويتمنونه ويعملون ويعيشون ويصلّون من أجله. فالفلسطينيون لايحتاجون صحراء ليبيا ليعيشوا فيها ولديهم جنة من أجمل جِنان الأرض.. لديهم فلسطينُ الغنّاءةُ التي لا يستحقها إلا الفلسطينيون!.

وعن مطلبك المتكرر بعودة اليهود إلى ليبيا فنظريا لا يوجد ما يمنعهم كلهم أو بعضهم من رفع دعاوى قضائية بالعودة. ولكن قبل كل هذا علينا أن نتفق على أمر واحد ليصبح كل ما بعده سهلا وميسَّرا، بل ويعيد حتى لصق شعرة أسميرالدا مغناجي المقطوعة؛ وهذا الأمر هو: هل الذين تطالب بعودتهم إلى ليبيا هم (يهودٌ ليبيون) أم (يهود ليبيا )!؟.. ربما إجابة هذا السؤال هي من تقودهم إلى داخل ليبيا أو تبقيهم خارجها.

وأنت تعلم قبل غيرك أن معايير التفرقة بينهما عديدة أهمها مقدار العطاء للوطن والتضحية من أجله والخدمة في جيشه والمشاركة في الحفاظ على أمنه وعدم اختيار العزلة عن المواطنين الآخرين!.

وأنت نفسك لم تجرؤ على تسمية منصبك بـ "رئيس اتحاد اليهود الليبيين"!!.

فالذين يكون ولاؤهم لليبيا أولا يجب أن يسموا أنفسهم "الليبيون اليهود" والذين يكون ولاؤهم لديانتهم أولا سيطلق عليهم تسمية "اليهود الليبيون" أما الذين لا ولاء لهم إلا لأنفسهم وديانتهم فلا يسعهم إلا أن يسموا أنفسهم "يهود ليبيا" أي اليهودُ قاطنو ليبيا. والتسمية الأخيرة هي التي اعتمدها أجدادُك وآباؤك طوال القرون الماضية وأكدتها أنت نفسك في مُسمى وظيفتك الرسمية كـ "رئيس لاتحاد يهود ليبيا ".

أؤكد لك، سيد لوزون، أنني لا أحمل حقدا على يهود ليبيا كطائفة ولا يهمني أمرهم كأفراد، ولكن فقط أعلمُ أن شروط المواطنة قد لا تدعم عودتكم أبدا.

القضاء الليبي وحده يختص بالنظر في مطالب العودة وإثبات الجنسية. وحتى يصدر الحكم المنتظر أنصحك بالتوقف عن مطالبك الإعلامية بالعودة إلى ليبيا وبحقك التاريخي فيها.. فلا يجب أن تتوقع أبدا أن يستقبلوكم بالورود وأنشودةِ طلع البدر علينا!.

فدعنا، يا سيد لوزون، في همومنا.. دعنا نقتل أنفسنا كما ترى فهذا الأمر لا يحتمله إلا الليبيون مربو الجِمال وآكلو أكبادها والمتطبعون بطبعها والمشتركون معها في هارد دسكها سعة (5) تيرا بايت!، أما أنتم فتنحّوا جانبا وحافظوا على سبتكم واسهروا وارقصوا وتغنوا فيه بأغانيكم المرزكاوية الجميلة، وسأكون ممتنا لكم لو غنيتم في ليل هذا السبت أغنية:

"إن كان حاحاو عليك اعلميني ** يانور عيني ** انخش الخلا بيك وانديرك عويني".
مع تمنياتي لكم بسهرة طيبة!.