Atwasat

الصحافة المغدورة (2-2)

أحمد الفيتوري 5 أيام
أحمد الفيتوري

الصحافة الثقافية، لم يتناولها البحث، ولم تدرس باستثناء ما يرسى من رسائل أكاديمية، تهدف للحصول على درجة ورتبة وظيفية، في الجامعات التي تمنح هذه الدرجات، لكن المتأمل والمتابع الحصيف، يعلم أن أهميتها تفوق الكتاب الأكاديمي، الذي كثيرا ما يكون حصيلة، لما نشر في الصحافة الثقافية المتباينة في متنها، جرائد ومجلات ومجلات محكمة، تصدر دوريا وشهريا أو أسبوعيا، وهي في هذا في مقام فن الرسائل، ما كان وسيلة للكتابة في العصور الوسطى، ولم يبحث هو أيضا بتوسع.

تاريخ الصحافة العالمي والعربي، مليء بمثل هذه الصحافة المختصة، عقب ظهور الطباعة، ما عملت الجامعات والمؤسسات ودور النشر على إصدارها، واللغة العربية زاخرة بإصدارات مبكرة، قام عليها وبها شخصيات نهضوية، ساهمت في أن تكون مثل هذه الصحافة، منبرا نهضويا فاعلا ومثيرا للقضايا الشائكة، وخلقت ورشة فكرية، تميزت منذ البواكير، بتشكل حراك ثقافي اجتماعي، ضد الركود والهيمنة، ودخلت في معارك ثقافية، من أجل التحديث، بل وساهمت في إحياء العربية لغة ومجتمعا، ومن خلالها تبوأت العربية، ديوان الدولة، وأصبح الشعر ديوان العربية، حتى غدا ينشر في الصفحات الأولى.

إن أي مهتم، يعرف العلاقة بين تلكم الصحف وبين الجماعات الثقافية والشعرية، في التاريخ العربي الحديث، الذي شكل جزءا رئيسا في مساره، من نشروا تلكم الصحف، ومن كتب فيها، مثل رفاعة الطهطاوي في مصر، وفارس شدياق في لبنان، وحسونة الدغيس في ليبيا، التي صدرت فيها: «مجلة الفنون»، وهي مجلة تهتم بالثقافة والفنون، وتصدر كل خمسة عشر يوما بانتظام، وتأسست سنة (1898م) بطرابلس الغرب، لصاحبها (داود أفندي بن سعيد)، وفي عام 1900م أصدر محمد البارودي، مجلة «العصر الجديد» ذات الطابع العلمي الأدبي.

إذا مبكرا تصدرت الصحافة الثقافية، أو التي تهتم بالثقافة، المشهد، ويمكن أن نلاحظ أن هذه الصحافة المختصة، كانت في البدء الأكثر أهمية وتركيزا، فكأنما حقل الثقافة أرضه الصحافة، التي في البدء طلعت باعتبارها وسيلة ثقافية، كما تمثل ذلك مثلا في «العروة الوثقي»، التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس، وأول عدد صدر في 13 مارس 1884م.

لذلك بدا من لزوم ما يلزم، أن تكون للمدن وليس للبلدان وحسب صحافة ثقافية، ديدنها نشر الأدب والفنون والعلوم، وكانت حينها المجلة الثقافية العربية، مجلة يمكن اقتناؤها في أغلب مدن العرب، وفي مدينة صغيرة، مثل بنغازي، توزع مجلات مصرية، منذ صدورها كـ«الهلال» و«المقتطف»، و«الرسالة»، وفي مطلع العقد الثالث من القرن الماضي، أصدر فخري المحيشي مجلة «ليبيا المصورة»، التي نشرت القصص الأولى للكاتب «وهبي البوري»، وترجماته للقصص عن الإيطالية ولغيره من الكتاب، كما نشرت الشعر، والمقالة النثرية، وترجمة لـ«الكوميديا الإلهية»، قام بها مترجم من أصل شامي، وكذا احتفت بالصور والرسومات. وفي العقود التالية، خاصة في فترة المملكة الليبية، كانت المجلات الثقافية تصدر عن معهد المعلمين، مدرسة الثانوية العامة، المدرسة الثانوية الصناعية، وتطبع من قبل الدولة في المطبعة الحكومية، وقد نشر الكاتب صادق النيهوم أول مقالة له، كانت عن الشعر الشعبي (العامي)، في مجلة مدرسة بنغازي الثانوية، التي يدرس بها، وكذا فلقد أصدر الخواص مجلاتهم، ما زخرت بالشعر وبالكتابة في التاريخ والفلسفة كمجلة «النور».

حين صدرت مجلة «الآداب» و«شعر» في لبنان، زخرت الصحف الليبية بالصفحات الثقافية، وأضحي الكاتب، مصدرا رئيسا لترويج الصحيفة، أما «بيروت»، فعبر مجلاتها، غدت عاصمة عربية ثقافية بامتياز، منذ عقد الخمسينات في القرن الماضي وحتى السبعينات، وخلال هذه المرحلة، تبوأ الشاعر ومن ثم الكاتب، منزلة المثقف الرسول، وغدت الصفحات الثقافية، صفحات لمعارك ثقافية وفكرية، وأضحت الحداثة لسان حالها، حينها في مدينة «بنغازي» وفي البلاد كافة، كان العدد الأسبوعي لصحيفة «الحقيقة»، العدد الذي يتداعك الكتاب للكتابة فيه، والقراء للحصول عليه، القراء من طلبة ثانويات وجامعة، ومدرسين ونخبة سياسية وهلم، حتى إن تلكم المرحلة جعلت من الكتاب نجوما كما نجوم الفن والكرة، ولهذا أشرت إلى أن الصحافة الثقافية لم تبحث وتدرس، وأنها في موت غير معلن...