Atwasat

الريشة والجراح (1)

سالم الكبتي 5 أيام
سالم الكبتي

شهدت المنطقة العربية بعد أعوام الحرب العالمية الثانية مخاضات عديدة، أسفرت عن بروز التيار القومي، الذي ارتفع صوته وغطى كل الأماكن. ثم الأيام الطويلة حملت الكثير من الأحداث والصراعات والتأثيرات.

كانت المنطقة تعاني فراغا سياسيا في بعضها، وكانت محتلة في بعضها الآخر شرقا وغربا. ظهرت سياسات التحالف والانحياز والأحلاف وحاولت جذب المنطقة إليها، استمالت مجموعة من الزعامات، هادنتها مجموعة أخرى منهم، صمتت أخرى غيرها أيضا. وعاشت المنطقة العربية تجاذبات قوية فيما بينها، ونهض هنا خطاب التخوين والعمالة والركون إلى الأجنبي ودفعت ثمنا غاليا. لعبت الأحزاب والأنظمة دورا مهما في هذه اللعبة التي لم ينج منها أحد.

التحرر الوطني لم يكن وحده في الساحة، جلب معه التأثر بالأفكار والتنظيرات على حين ظل أغلب أرجاء المنطقة يمتلئ بالتخلف ويرزح تحت الاستعباد الداخلي. استعملت الجماهير عاطفتها بدلا من عقولها، وهتفت بتخليص الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وتحرير فلسطين في خبطة واحدة قبل أن تحرر العقول والأفكار.

ثم نشأ الخلاف العميق بين تلك الأحزاب والأنظمة، وانقسمت على نفسها وصارت شظايا. ودفع الوطن الكبير والمواطن العديد من الفواتير المستحقة وغير المستحقة: فباسمه انطلق ذلك الخطاب، وباسمه أعلن عن الأماني والأحلام. ولم يتحقق أي شيء من ذلك في المنظور القريب أو البعيد وعلى كل الأصعدة. صحيح أن هذا الخطاب وهذا التيار قام بمهمته وفقا لرؤيته ونجح في تحريك المشاعر والعواطف عبر كل الحدود.

كان هذا الخطاب في بعضه صادقا، وفي بعضه مراوغا، وفي بعضه مجاملا، وفي بعضه نفعيا، وفي بعضه ينتظر لحظة الشماتة. ولم تستفد هذه الأحزاب وهذه الأنظمة من التجربة التي خاضتها. كان وراءها في التاريخ البعيد تجارب ومحطات، وكان في حاضرها ذلك الوقت منهج لم يتطور ولم يتقدم. الأحزاب والأنظمة كررت نفسها، أعادت الخطاب نفسه إلى درجة الملل في الإذاعات والمؤتمرات والأناشيد والعلاقات. أفسدت السياسة وحيل المخابرات كل عمل منشود، وقطعت الطريق على الحالة القومية التي قاربت التصوف عند المهووسين البسطاء بتحقيق الوحدة العربية. كانوا لا يملكون سوى التصفيق والهتاف والترديد ولا شيء سوى ذلك.

تلك الأيام كانت الشوارع والأزقة والميادين والمقاهي تغلي، يحركها خطاب، ينفخها نشيد. تنفجر المشاعر، ثم ينتهي الأمر إلى حمل كاذب، إلى أطياف تغيب في المجهول. وتصادمت الأنظمة والأحزاب إلى درجة العنف، وفقدت المنطقة الكثير من الوقت والزمن، والعديد من رموزها وكفاءاتها ومواهبها ورمت بهم في قعر السجون المظلمة.

معركة تتبعها معركة، وتخوين يلحقه آخر، وشتائم تصل إلى حد البذاءات على الهواء مباشرة. ونشأ هنا جيل ضاع منه الحلم الذي كان يرنو إليه. لم تتحقق الوحدة العربية، لم تتحرر فلسطين. وتغيرت العوامل عدة مرات، ولم يع الساسة والمنظرون والزعماء الدرس جيدا، ولم ينهض مفكر أو مثقف إلا في القليل النادر وفقا لضميره بمعالجة المرض ولفت النظر إلى عدو الداخل وبناء العقول وتحقيق الحرية والكرامة لأبناء المنطقة، التي صرفت إمكاناتها المالية والمعنوية في زرع عدم الثقة والتوجس والشكوك. كفر الجميع في لحظة من الزمن بالوحدة وبالتقارب وبالخطاب القومي، وصارت الهزائم والكوارث عنوانا جديدا للمنطقة.

وتلك الأيام في ليبيا لم نكن استثناء مما حدث. خرجت من الحرب الماضية وحصلت على استقلالها كسيرة الأجنحة، وعانت أيضا مثل غيرها من الجوع والحاجة والفراغ. وكان لا بد لنا أن نتأثر بما يحدث حولنا. كانت أقدامنا في الداخل ضعيفة واهية، وكانت عقولنا في الخارج. هضم أغلبنا ذلك الخطاب العالي بعاطفة وحسن نية، قبل أن نتجه إلى بناء بيتنا الليبي بصورة معقولة. وانقسم الذهن الليبي إلى اثنين، كان ذلك أمرا طبيعيا لا غبار عليه. الخطاب كان قويا وصادعا، وكنا نجيد الإصغاء بحماس كبير.
والواقع أن ليبيا لم تشهد أي نشاط أو حراك قومي في فترات قديمة. قلة المثقفين والمتعلمين والمصادر كانت سببا في عزلتنا المحلية إذا صح القول. ربما حصل تفاعل لدى بعض النخب الذين تعلموا في دار الخلافة (إسطنبول) أو ممن كانوا أعضاء في مجلس المبعوثين على ضفاف البسفور. هناك التقى نواب الولايات العثمانية من العرب، وهناك أيضا كانت أصداء الجمعية القحطانية وجمعية العهد.. وغيرهما التي تكونت بطريقة سرية على يد مجموعة من الضباط العرب ممن تخرجوا في مدارس تركيا الحربية، كانوا يعتزمون مواجهة التيار الطوراني!

ربما حصل هذا التفاعل لكنه كان غير واضح المعالم، أو لعله استند على عاطفة العروبة والأخوة في الدم والمصير. لكن ليبيا كلها لم تشهد أية تنظيمات قومية أو عروبية، كانت تلتزم بدولة الخلافة. وثمة مصادر تاريخية تشير إلى أن الضابط عزيز المصري الذي كان من مؤسسي تلك الجمعيات حاول نشر الفكرة العربية، عندما كان في بنغازي محاربا في جبهتها العسكرية في دور بنينا عقب الغزو الإيطالي العام 1911، وأنه حاول أيضا بالتنسيق مع الإمام حميد الدين تكوين اتحاد يضم بنغازي واليمن ومصر. وحين عقدت له محكمة عسكرية تركية في إسطنبول في مارس 1914 كان من بين تهم الخيانة التي وجهت إليه مسؤوليته عن نشر الفكرة العربية، والدعوة لها، إضافة إلى ما ارتكبه من مخالفات مالية وعسكرية وصراعه مع أحمد الشريف وعمر المختار. أصدرت المحكمة حكما عليه بالإعدام ولم ينفذ.

والسؤال ينهض في وجوهنا بعد هذه الحقبة: هل وقع ذلك حقا في بنغازي وعلى هضاب بنينا؟ هل استطاع عزيز المصري القيام بذلك في تلك الظروف، وهو العسكري الخاضع لأوامر الدولة العلية؟ وكيف نشر فكرته في تلك الأيام والأحداث ولحظات الحرب.. مع من؟ ومن الذين تمكن من إقناعهم بتلك الفكرة؟ هل كان ذلك إرهاصات لبذور القومية العربية في ليبيا على استحياء؟ ولماذا لم تنجح الفكرة؟

وفي كل الأحوال نجح المد القومي في ليبيا بعد الاستقلال بصورة واضحة وعلا صوته المؤثر والشديد مثلما علا في المنطقة. انتشرت الفكرة عن طريق الخطاب، والصحف والتصريحات والإذاعات والأناشيد. صار المواطن في المقهى الليبي على امتداد المدن والقرى في وسط الحدث: «مشروع إيزنهاور، سد الفراغ، حلف بغداد، ثورة الجزائر، قناة السويس، الوحدة بين مصر وسورية، ثورة العراق، حرب اليمن»، وغيرها من أحداث وتغيرات وصلت إلى ما وصلت إليه في يونيو 1967. الأيام الموجعة والحزن الكبير والصدمة العميقة.