Atwasat

جدار الردى جذور الفساد الذي طال البشر والشجر!

عبدالقادر البرعصي 6 أيام
عبدالقادر البرعصي

بدأ الطالب الُمجد دراسة الطب في جامعة قاريونس (بنغازي) العام الدراسي 79-80 ولكنه لم يقض كثيرا من الوقت بين المدرجات والمحاضرات فقد استبدلت هذه بالزنزانات وتلك بنوبات الاستجواب والتحقيقات. كان سجن معسكر7 أبريل بسوره الذي تعلوه الأسلاك الشائكة أول المحطات بحكم موقعه قبالة الجامعة مباشرة كأنه كلية من كلياتها في سابقة انفرد بها أساتذة الفكر الأخضر المبشر بالانعتاق النهائي للبشرية. نقل بعد فترة من التنكيل إلى سجون طرابلس بعد أن قضي آخر ليلة معلقا من رجليه في أحد أشجار الساحة بأمر من الهالك أحمد مصباح.

كانت جريمة عبد الحميد حسن أنه ضاق ذرعا بممارسات اللجان الفوضوية المكونة من المخبرين والمتسلقين في مكان أُسس أصلا في عهد المملكة الليبية – قبل 69 – ليكون صرحا للعلم والمعرفة. كتب منشورا واصفا اللجان الثورية بالكلاب المسعورة وقام بتعليقه على لوحة الإعلانات ببيت الطلبة فتم اعتقاله في أبريل 1982 حيث قضى أكثر من عام ونصف العام خلف القضبان. بدلا من أن يتخرج الطالب المتفوق طبيبا خرج من المعتقل محبطا وترك الطب، ولكن الله الذي يمهل ولا يهمل انتقم له من الجلاد وعوضه خيرا بأن تخرج من أبنائه أطباء وطبيبات فكان أشد فرحا بذلك.

عاد بعد إطلاق سراحه العام 1983 إلى الجبل الأخضر الذي رأى النور في ربوعه عند شجرة خروب عتيقة وارفة الظلال وبين شجيرات البطوم والشماري والشعرا والبلوط. أرض طيبه معطاءة تغطي هضابها وسهولها حقول القمح والشعير. تتزين كل ربيع بأزهار الخشخاش الحمراء الزاهية وتسير الحياة فيها على وقع سمفونية نوح الحمائم وزقزقة العصافير وأصوات الدواب والدواجن. هذا الجبل، الذي استشهد فيه جده "احتضن حركة الجهاد، فوقاهم من رصاص العدو وأطعمهم من جوع الجفاف، وحماهم من برد الشتاء. وكم في هذا الجبل ومنحدراته الوعرة، من زهور فواحة ومناظر خلابة، ترتع فيها العين، فتجلي عن النفس الهموم." هكذا وصفه الأستاذ جمعة بو زيد في مقال يشجب فيه أعمال المفسدين وسماسرة الأراضي الذين لا يعرفون قيمة هذا الكنز النادر الثمين ولا يحركهم إلا الطمع والجشع.

غابات الجبل الأخضر في ذمة الله
كتب أبوزيد مقالته في 7 أبريل 2017 بعنوان "غابات الجبل الأخضر في ذمة الله" في موقع "الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية" ونبه إلى جريمة تدمير غابات الجبل الأخضر وظاهرة افتعال الحرائق لنهب الأراضي الفضاء. وكان فيما كتبه أن الفساد بدأ فعليا بعد انقلاب 69 عندما ألغيت إدارات الغابات بوزارة الزراعة واستحداث مشاريع فاشلة اعتمدت على تجريف التربة وإزالة الغابات بدوافع أمنية أكثر منها إصلاحية زراعية. وأشار إلى أن الكارثة التي تفاقمت في السنوات الأخيرة تعود جذورها إلى الثمانينات عند ظهور البيع والشراء غير القانوني والتملك غير المشروع وبعد إلغاء جهاز حرس الغابات "الفوراستاري" الذي أنشأه الطليان لحماية الغابة.

في نفس السياق حذر ابن الجبل الدكتور جمعة فحيمة، رحمه الله، في دراسة مستفيضة عن كارثة حقيقية حيث توقع أنه في غضون مدة أقصاها 50 عاما سيصبح الجبل الأخضر كصحراء سرت تختلط فيها رمال البحر برمال الصحراء وتنتهي الخضرة وتضيع التربة الحمراء. مشيرا إلى أن غابات الجبل الأخضر نقصت خلال 50 عاما بأكثر من 80% من مساحتها وأن الكثير من الاشجار والشجيرات الصغيرة والحيوانات البرية على مختلف أنواعها مهددة بالانقراض بسبب تدمير بيئاتها الطبيعية.

تشابك المعاناة
سكن عبد الحميد بعد خروجه من المعتقل العام 83 بالمدينة لكنه وجد نزعة قوية تشده إلى الجبل ووديانه فيمشي ويهرول على مساربه وصعداته يشم نسيمه المفعم بعبير التفاح البري والعرعار. واظب على هذا الموعد اليومي بلا كلل أو ملل إلا نادرا ولم ينكد عليه إلا تفاقم كارثة تدمير الغابة نتيجة التسيب وغياب الدولة وبشكل مخيف أتى علي الأخضر فصار حطاما يابسا وترابا تذروه الرياح. قال ذات مره لماذا لا نكتب عن مأساة الغابة؟ ألا نرى ما حل بها بعد الحرائق المفتعلة وغزو الكاسحات المجنزرة؟ ألا ترى أشجار الشماري والبطوم المهشمة التي أصبحت أكواما من الحطب وأعجازا خاوية وسط التراب؟ ما أقسي أن ترى الحبيب يموت موتا بطيئا ولا تستطيع أن تحرك ساكنا! هذه الاستغاثة التي أراها كل مساء من لي بمن يسمعها لأذن صاغية؟.

اكتب عن اغتيال الغابة التي لا تنطق. لا تكتب عني وعن حكايتي فأنا لم أكن أول ولا آخر سجين، وزنزانتي زوارها كثر على مر السنين! ألم تسمع عن رفاق الزنزانة رقم 6*؟

ألم تسمع عن وعن وعن الجدار اللعين؟

"رفاقي...
أتعشبُ في الفجر هذي الصخور؟
أتزهر فوق جدار الردى الأمنيات،
وهذه البذور؟
وترد عبر الصدى الأغنيات
وتعبق في الموقد الذكريات؟
هنا منذ شهر مضى
هنا منذ عام مضى
هنا منذ قرن مضى قام سور،
وسجن وجيل من الهالكين!"
• من قصيدة محمد الشلطامي "كتابة على باب الزنزانة رقم 6 "