Atwasat

الأشجار تموت واقفة، و"أمية جبارة"

سعاد الوحيدي الإثنين 03 فبراير 2020, 04:01 مساء
سعاد الوحيدي

عندما غادرت ليبيا في ثمانيات القرن الماضي كنت منتشية بأبيات سميح القاسم "في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي"، وبأن "الأشجار تموت واقفة"، االمقتبسة كتعويذة نضالية، عن مسرحيّة الإسباني "كاسونا"، وقد كنت أظنها القيم التي تمثلني. حتى اكتشفت بأنها لا تليق إلا بها: "أمية جبارة"، أروع نساء الأرض والسحاب. والتي عانقت المنية فارعة كالنخلة، الرشاش في اليد، في مواجهة الدواعش.

كنت في أعماق الصين بعد غياب طويل عن عملي الأكاديمي (وقد انشغلت بالثورة في ليبيا)، عندما تلقيت مكالمة من بابكس، أحد نجوم الموسيقى في فرنسا، يسألني عن آل جبارة؟. خلته لوهلة يريد قبيلة في ليبيا؟ أو أقلية في الصين؟ لكنه واصل: بأن صديقتي أنيك كوجان (عملاقة جريدة اللوموند الفرنسية)، قد أخبرته بأني من عرّفها بالعائلة في العراق. (وعادت من هناك بمقال من ذهب حول "أمية جبارة"، جعل جريدة اللوموند تنصب هذه العراقية/ الأسطورة، امرأة العام).

الوقع الخرافي لكلمة "عراق" أعادني بسرعة لذكرى أمية جبارة، وأخذ قلبي يرتجف وأنا أستمع لدافيد يشرح إنه زركش أنشودة نضالية تتغنى ببطولات أمية، ترفع مقامها إلى صفوف زعماء النضال في العالم. مثلها مثل تشي جيفارا أو مالكوم أكس، أو عمر المختار..."إنها أسطورة هذا القرن"، أضاف دافيد. هذه التي أسدلت عليها الأمة (رغم اهتمام موطنها تكريت المتعاظم ببطولاتها)، ستاراً من الصمت، أو اللامبالاة. ستاراً ما فتيء يتعتم، وتتراكم على نسيجه تربة التخلي. وكنت قد أقسمت أن لا أسمح بانطفاء ذكرها.

لم أكن أعرف أمية جبارة، لا خلال حياتها الاستثنائية التفاصيل، كأول امرأة تتزعم قبيلة في الفضاء العربي، ولا بعد استشهادها البطولي. وحتى لقائي في قصر اليونيسكو بباريس عشية سفري للعراق منتصف عام ٢٠١٤ (لتقصي جرائم داعش بحق اليزيديات)، بأحد رموز عائلتها (وكان في حينها وزيراً للبيئة)، معالي الوزير قتيبة الجبوري.
كان حديثي معه، وهو من أشراف صلاح الدين، المحافظة التي وقع احتلالها بالكامل من طرف داعش، عن خلفية مفهوم "الأرض الحاضنة " الذي قد تكون سنّة العراق قد قدمته للدواعش؟..عندما استرسل في شرح له دلالته المهمة للتأريخ لما حدث، ويحدث. وهو يشدد على أن سنّة المنطقة (وإن كان ثمة شيء من الحقيقة في ترحيب بعضهم بداعش، دون أن يدركوا في مطلع الأمر فداحة ما أقدموا عليه)، قد قاتلوا هؤلاء حتى آخر طلقة. وإن الأمر لم يقتصر على رجال السنّة، بل إن نساءها كذلك واجهت داعش ببطولة نوعية. وإن تاريخ المنطقة قد قدم نموذجاً أسطورياً لسيدة عملاقة، قادت المقاومة ضد داعش والسلاح في يدها، حتى الاستشهاد: هي أمية جبارة. وواصل: "في الواقع بعد استشهادها (وقد أردتها طلقة قناص غادر، في ٢٢ يونيو ٢٠١٤)، تعذر على الرجال الاستمرار في القتال". حيث سرعان ما وقعت المنطقة بين براثن داعش لفترة غير قصيرة.

في أربيل، عاصمة كردستان، كان لقائي مع زوجها، (حيث قصدها للعلاج، قبل اجتياح داعش للمحافظة)، المرض الذي عاقه عن مقاسمتها الشهادة كما يشرح. تلك التي لا يراها غريبة عن العائلة: "فقد قدم آل جبارة العديد من الشهداء في مواجهة التطرّف، وعلى رأسهم والد أمية الشيخ ناجي الجبارة، شيخ عشيرة الجبور، المغدور على يد أتباع القاعدة. وشقيقها عبدالله جبارة الذي قتل وهو يصد هجوماً للقاعدة استهدف مجلس محافظة صلاح الدين. ولهذا من الطبيعي أن ترث روح المقاومة، وأن تجمع القبيلة على تنصيبها أول أمرأة لمشيخة القبيلة". وواصل وهو يزهو بكونه الزوج الذي واكب عنفوان امرأة جعلت منها القبيلة/ سيدة القبيلة: "لأن حجم الشهادة في هذا البيت جعل من توليها منصب شيخ العشيرة أمراً محتوماً، على أن القدر أراد أن تكون الشهادة بحقها أمراً محتوماً".

وأضيف هنا: إن "حجم استشهادها" جعل دخولها للتاريخ أمراً محتوماً..عملاقة، أسطورة. امرأة من نور ونار.