Atwasat

2020

سالم الكبتي الأربعاء 01 يناير 2020, 01:36 مساء
سالم الكبتي

عام جديد. يطوي ما سبقه من أعوام ويقبل علينا راكضا. بداية عشرية أخرى من القرن الحادي والعشرين. إنه الزمن. إنها الأيام. ولكنِ الكثيرين لا يشعرون بذلك في زحام الأعوام. هذا عام آخر قد يغاث فيه الناس وقد لا يغاثون. هذا موسم جديد.. هل نطل من نوافذه المشرعة على سهول فسيحة وعلى أمل سعيد؟.

وحين يمضي عام ونودعه تمتلئ الأنفس بالتفاؤل. يغمرها البشر. تبتهج. ترنو إلى البعيد. ترحب بالآتي. تستقبله بالترحاب وبالأغاني وبالقصائد. يظل ثمة إحساس في الصدور بفسحة الأمل رغم الضيق والمشاعر المؤلمة. تصل الخطوات إلى مطلع العام الجديد منهكة القوى من الذي مضى. عانت من الملل والترقب والتوقع وانتظار الأفضل، ولكن لم يتحقق لها ما تطلعت إليه. انكسر الحلم وتاهت في الفراغ. فهل يصلح العام الجديد صاحب الأرقام المتوازية ما أفسدته الأعوام الخوالي. هل ثمة فرصة من خلال ذلك كله.

القرن يمضي. الأعوام تمضي أيضا برتابة أو على عجل غير أن تاريخها يظل يومض بلا توقف. التاريخ له فلسفة وحكمة عبر الأعوام والأيام. رحلة طويلة فيها دور وتسلسل تخوضها الحضارات والشعوب والبشر. الأعوام تاريخ وحدها. والتاريخ في أحيان كثيرة يبقى سيد الموقف من وراء الأطياف والتخوم والألوان والشخوص والأحداث. والإنسان محور التاريخ وصانع الأحداث السيئة والطيبة.
والتاريخ ليس لعبة. والأيام ليست لعبة أيضا كما غنت وردة ذات يوم. التاريخ على الدوام ومع كر الأيام هو شاهد الأعوام ونقطة عبور الحاضر إلى المستقبل.

وهذا عام جديد وفي مطلعه يعود بنا إلى قرن مضى. 1920. ليبيا والمنطقة كلها في ظلام الاحتلال والقهر ومحاولات للنهوض من الرماد والانطلاق نحو الحرية. ذلك العام توحد الليبيون في وجه العسف والظلم القادم من وراء البحار. دماء ومشانق ومعارك. جوع وحاجة. صراعات محلية كادت ترمي بالوطن في التهلكة أو ربما نجحت في رميه في جحيمها بطريقة أو بأخرى. الفاشيون يخططون ويقتربون من الوصول إلى روما وتم ذلك بالفعل بعد عامين. وفي غريان في قمة الجبل هناك أجمع الليبيون على رأي واحد. هيئة الإصلاح المركزية تبذل جهدها الوطني الكبير. يتغلب صوت العقل. الاختلاف كان في الرأي ووجهات النظر. لكن الاتفاق متفق عليه في الوطن.. في ليبيا. لا خلاف ولا اختلاف في ذلك. وبعد عام تتوحد الجهود بصورة قوية وفعالة ومؤثرة في مؤتمر سرت. تلتقي كل الأطراف. تتصالح وتتسامح وتتسامى عن الأهواء الضيقة والمصالح التافهة. يعلو صوت العقل ومعه يعلو صوت الوطن. لا فرق بين شرق وغرب. بين شمال وجنوب. التخوم والألوان واحدة وانعكاساتها على الواقع واحدة وتشكل فسيفساء رائعة. ذلك هو الوطن منذ قرن مضى في العام 1920. ظروف متشابكة. حرب وتشتت وتهجير ومحاولات لفرق تسد ضربت بالوحدة الوطنية. أين ليبيا الآن من ذلك العام. هل صغرت وأضحت فقيرة إلى حد البؤس.. أعسرت فأجهضت.

وفي ذلك العام البعيد الذي يفصله عنا قرن من الزمن عرف الليبيون كيف يتعاملون مع الخصم بالإمكانيات المتيسرة والمتاحة. الفترة السلمية التي سادت الوطن ولم تدرس دراسة علمية جادة بعيدا عن التخوين والإساءة أحسنوا استخدامها فالذي تغلب به لابأس أن تلعب بخيوطه. ذلك العام استفادوا من القانون الأساسي في طرابلس. وفي برقة انتهى العزم إلى تشكيل مجلس للنواب ضم خمسين عضوا. أجريت الانتخابات.

ثمة ترشيحات واختيارات ونجح المجلس إلى حد كبير في تحقيق بعض المكاسب، لكنه قطع مشواره بوصول موسوليني ورفاقه الذين أحكموا القبضة الفولاذية وتنكروا للمواثيق. الفاشية والديكتاتورية طغت على صوت النقاش والحوار في رحاب مجلس اعتبر أول برلمان عربي وتشاء الصدف والأيام أن يحاكم عمر المختار بعد القبض عليه أمام محكمة فاشية تعج بالغطرسة واللؤم في مقر المجلس.. الذي كان!
والأطياف تلوح منذ قرن واضحة المعالم عبر شموس التاريخ وأقماره. رغم القهر ينهض الأمل. ذلك العام يصدر عوض بونخيلة.. الرجل الوطني صحيفة الوطن في بنغازي. تحمل الكثير من الأفكار والإشارات. كانت المدينة شهدت في العام الذي قبله 1919 انطلاق أول مطبعة عربية وأول صحيفة باللغة العربية أيضا هي الحقيقة. قام بذلك جان أولمي الإيطالي الذي أدار المطبعة وتعلم عبرها الشباب الليبي فنون الطباعة. ومعه محمد طاهر المحيشي الذي أشرف على الصحيفة. وفي جانب آخر شهدت بنغازي مع انطلاق الصحيفتين ومحاولات التنوير والشروع في الانتخابات وتعلم أبجديات الديمقراطية الجديدة على المجتمع.. شهدت تكون حزبين لأول مرة في بنغازي هما الحزب الدستوري والحزب الديمقراطي كانا في مبدأ أمرهما حزبين محليين ثم أصبحا سياسيين تابعين للحكومة. الفاشية لم تترك شيئا مرت عليه إلا جعلته مثلها. الفاشية تخنق الكلمة وصوت العقل وتحبس الحرية. توقف صحيفة الوطن. يضطر صاحبها للهجرة خارج الوطن. يصدر عليه حكم بالإعدام غيابيا. الملاحقة الفاشية أيضا تتبع الأحرار والأقلام. لم يعد ثمة أمل. نهض الفاشيون بكل شيء. زاد التغول. المعتقلات والمزيد من المشانق والنفي والتهجير والسجون والمصادرة والمحكمة الطائرة. والاستيطان العنصري. بوارق التفاؤل اختفت أمام أبصار الليبيين. وقارب الطليان أن يجعلوا من ليبيا شاطئا رابعا لروما.

والمد على الضفاف. ينتصر العقل على الفاشية. ينهض الإنسان وتلوح التخوم والأطياف واضحة المعالم في سطور التاريخ وأيامه ولياليه. شموسه وأقماره. وحركة الأعوام تهدر وتضج بعنف أو تتحرك بهدوء.

هذا عام جديد. هذا موسم آخر. قرن مضى وزمن يسير. تتداعى الأحداث والتفاصيل. التاريخ ليس لعبة. إنه خط واحد وإن حدث اختلاف أو فروقات فهو في الألوان والإسقاطات والتداعيات.. والتواقيت!!

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات