Atwasat

"حديث الأموات" كتاب عن الحياة

سالم العوكلي الثلاثاء 31 ديسمبر 2019, 01:16 مساء
سالم العوكلي

يوحي العنوان "حديث الأموات" بأن الكتاب متعلق بطقوس تحضير الأرواح التي يعتقد البعض أن أرواح الأموات ممكن استحضارها وجعلها تتحدث، وهي طقوس مازالت شائعة خصوصا في المجتمعات المتقدمة، لكن الكتاب بأسلوبه العلمي يذهب إلى تحضير الأحياء للإنصات إلى أسرار أجسادهم التي بإمكانها أن تتحدث بعد أن تتوقف عن الحياة.

في مؤتمر أقامته الهيأة العامة للقوى العاملة في بنغازي أواسط التسعينيات شاركت كمندوب عن المعهد العالي للمهن الشاملة بدرنة، وكان الأساس في هذه المؤتمر احتفالية بتجاوز الكادر النسائي لنسبة 50% من العاملين في القطاع العام حسب إحصاءات الهيئة، ما اعتُبِر نجاحا لدفع المرأة نحو العمل ومواقع الإنتاج، وما يعنيني في هذا المقام أنني تعرفت على طاولة الغداء في هذا المؤتمر على فتاة جميلة ورقيقة، وحين سألتها عن عملها قالت أنها طبيبة شرعية، وأدهشني ذلك خصوصا عندما تحدثت عن بعض تجاربها مع الجثث والجريمة والتشريح، وفي ثنايا الحديث قالت أن أباها الروحي في هذا المجال هو د. فوزي بن عمران، وكان وقتها كثيرا ما يتردد هذا الاسم في مدن: بنغازي ودرنة أو البيضاء وغيرها، وفي حالات تأجيل الدفن للبعض الذي يحتاج إلى معرفة أسباب موتهم، وفي ظل ندرة الأطباء الشرعيين، ومع الثقة والسمعة المهنية التي يتمتع بها د.فوزي بن عمران، كان يقطع هذه المسافات لإنجاز عمله وهو يدرك مدى حرص الليبيين على دفن موتاهم بسرعة حيث إكرام الميت دفنه عقيدة.

بعدها التقيت بالدكتور فوزي أكثر من مرة، ويتبادر إلى ذهنك بمجر اللقاء بهذا الرجل أنك أمام شاعر أو رسام أو نجم سينمائي، أنيق ومتمدن ومثقف، مهجوس بالفن والشعر والمعرفة، وأي حديث يحيله إلى قلب العلم دون أن تغادره التسلية، وفوق ذلك مَرِحٌ ومحب للحياة والانضباط ولفكرة الكمال في كل شيء، أذكر أنه مرة نشر مقالة في إحدى الصحف الصادرة بدرنة ينتقد فيها أخدودا صغيرا يخترق الرصيف على الكورنيش منبها إلى معاناة سيدة تحمل طفلها في عربة وتتنزه على الرصيف فيصادفها هذا الشق ويعكر مساء نزهتها، ورغم ما تعاني منه درنة في ذلك الوقت من إهمال كامل يجعل الحديث عن مثل هذا الشق نوعا من الترف عند البعض، إلا أن د. فوزي كان مأخوذا بالتفاصيل التي يكمن فيها الكمال، وربما يعود ذلك إلى أسرار مهنته المهمة والدقيقة التي تقع في قلب العدالة ومعنية بتلك التفاصيل التي من الممكن أن تبرئ أو تدين متهما.
ينبع حبه للحياة وروح المرح في داخله من مواجهته اليومية للموت والجثث، بل والذهاب عميقا داخل مكنونات هذه الأجساد الميتة التي يجعلها تتحدث وفق خبرته في قراءة الجسد الإنساني الصامت، وحقا لا يمكننا أن ندرك قيمة الحياة التي وُهِبت لنا إلا إذا كنا نحدّق بإمعان فيما بعد الحياة الدنيوية. والأهم من ذلك أن مهنته المهمة في صميمها تدافع عن الحياة وعن العدالة كأهم قيم على الأرض، فهي لا تتعلق بماضي الجريمة فقط لكنها تتعلق بالمستقبل حين تكون وسيلة لتأمين الأجساد البشرية في وسائل النقل المختلفة، أو في بعض الأحيان في تصميم الأسلحة والذخائر وتخفيض أثرها على الجسد الإنساني كما يفصل في ثنايا هذا الكتاب القيم، لكن سباق التسلح وشرور السياسة تجاوزت كل هذه التوصيات التي تقدس وتثمن الحياة الإنسانية.

رغم أن الكتاب يكتظ بالجثث وروائح الفورمالين وحديث الأحشاء إلا أن قراءته ممتعة، وأرجح السبب في كون مؤلفه مهجوسا بجمالية العلم، وأن الأجساد تتحول لديه ككتب يتصفحها، أو كما يصف الحالة: "يُنشر عظم القص (العظم الواقع بمنتصف الصدر) بشكل طولي وتوضع مشدات معدنية لتُبعد ضفتي العظم المنشور فينفتح الصدر كما ينفتح كتاب..".

يتحدث فوزي عن ذلك الارتباك الذي يعتري طالب الطب حين يكون في مواجهة جثة بشرية لأول مرة، لكن متعة المعرفة لأسرار هذا الجسد وما يترتب عنها من اكتشافات تعزز الحياة الإنسانية يروض مع الوقت هذا الرهاب، ويفضي في النهاية إلى نوع من التصفح للمعرفة التي لا تنقصها سعادة الاكتشاف. ترك أحد رواد علم التشريح الرسام والنحات العبقري، ليوناردو دافنشي عبارة على قبره تقول: "كما أن قضاء يوم جميل يُمكِّن صاحبه من نوم جيد، كذلك فإن قضاء حياة مليئة بالاكتشافات تُمكِّن صاحبها من الموت بسعادة". ولكن هل كان بإمكان علم التشريح الذي يتصفح الجثة تفصيلا تفصيلا قادرا على معرفة ما إذا كان صاحب الجثة قد مات سعيدا أم مهموما؟ وهل بالإمكان أن تترك السعادة أو الحزن أثرهما في الجسد؟ لا أعرف ولكن دافنشي راود هذا السؤال بتشريحه لجثة شيخ مات عن عمر يناهز المائة دون أن يصاب بمرض من أجل معرفة سر هذا العمر السعيد، وقد خاض دافنشي مع الفن فضول العلم، وقام بتشريح حوالي 30 جثة من الجنسين ومن أعمار مختلفة بين سراديب الأبنية، وعلى ضوء شمعة كان يكتب ملاحظاته مرفقة برسومه التوضيحية، حيث كانت الكنيسة في ذلك الوقت تعارض وتحارب هذا المجال. بعد 380 سنة من وفاته عادت كراساته وملاحظاته للحياة، وتمكن العلماء من دراسة اكتشافاته الطبية التي جعلته رائدا بعلم التشريح المرضي والطب الشرعي. وكان ذا فضول علمي جامح وخيال إبداعي لا يهدأ، يكمن سر هوسه بالتشريح في كون الجسد الإنساني آلة كاملة، وكان ينتقد مصوري عصره بأنهم لا يظهرون على الرسم ما يمور في داخل الإنسان، وهذا الإطلاع على مكنون الجسد يحيله البعض إلى إبداع لوحته الشهيرة (الموناليزا) حيث يكمن إعجازها في محاولة إبراز ما يمور داخلها على الوجه، وليقول عبرها أن الروح موجودة لكن لا يمكن الوصول إليها.

وهذا اللقاء الحميمي بين الفنان والمُشِّرح ما وجدته في كتاب (حديث الأموات) للبروفيسور فوزي بن عمران، الصادر في طبعته الثانية عن دار مدارك للنشر بدبي، فضلا عن السعادة المتأتية من مهنة صعبة قادرة على حل الألغاز وعلى مراكمة المزيد من المعرفة والاكتشافات التي تجعل الحياة تشبه قضاء يوم جميل.

"حديث الأموات" كتاب شائق لا أجد سبيلا للإحاطة به سوى بالدعوة إلى قراءته، فهو لا يعني المختصين فقط لكنه مكتوب بسرد شيق يجيب عن كثير من أسئلة الحياة والموت في هذه الآلة المعقدة، الجسد البشري؛ الذي تحدثت مومياءاته، كأنها مخطوطات، بعد ألاف السنين عن الكثير من أسرار ومعارف ذلك الزمن القديم.

 

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات