Atwasat

فقرُ الفكر

نورالدين خليفة النمر الأحد 22 ديسمبر 2019, 12:37 مساء
نورالدين خليفة النمر

يُلاحظ المتابع فقراً عاماً يعمّ الكتابة في الصحافة مقروءة ومرئية المتوجهة لعموم القارئ العربي. ولكن فقر ليبيا من الكُتّاب في السياسة ظاهرة لها جذور مجتمعية وسياسية ألمحنا إلى بعضها في مقالاتنا السالفة. الفقر الليبي يبدو جليّاً في كُتّاب المقالات التي يفترض لها أن تكشف لليبيين فقر الفكرِ والهشاشة لمن يتولون بعد ثورة 17 فبراير 2011 قيادة المؤسسات الموهومة التي من المفترض أنها تمثلهم: برلمانان ومجلس رئاسي كلها لاتعمل، بل صار الفاعلون فيها معوّقات لأي عمل كفيل بإخراج ليبيا من أزمتها. كما ينبغي لها أن تكشف أيضاً خرافة وجود مسمى الجيش الوطني حيث لاتوجد إلا ميليشيات. فقر ليبيا في الكاتب السياسي، حتى وإن تجرأ الكاتب الذي ليست له كفاءة الكتابة في السياسة ممتطياً أسلوب الأدب ليُبدي وجهة نظره في السياسة، هو مؤشر على خلل بنيوي في المجتمع الذي أكرهته الدكتاتورية الفردانية أو الأتوقراطية طوال أربعة عقود بوسائل الديماغوجيا أن لا يلقي بالاً لجدوى التفكير في أمور السياسة اليومية حتى التي تعبر عن خوالجه ورغائبه ومتطلباته.

ففي فوضى مجتمعاتنا لايمكن الأخذ بالتقسيم الذي اقترحه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كتابه "رجل العلم (الفكر) ورجل السياسة". حيث يمكن التمييز بين أحكام القيمة، وهي التي تنتمي بمعنى ما إلى عالم المعتقدية "الايديولوجيا"، وأحكام العلم التي تحكمها ضوابط التفكير والتي هي أحكام الواقع. فليس من حق الباحث أو المحاضر الجامعي أو الكاتب الذي مهمته التفكير أن يُصدر حكم قيمة أو محدّد ما لأهداف اجتماعية. لأن هذه الشئون من مهام السياسي المنخرط في حزب، أو العضو في البرلمان أو الوزير في الحكومة أوالقيادي في النقابة أو المسؤول في المؤسسة أو الشركة الرأسمالية الكبرى، أي كل المؤسسات التي إن وجدت خارج العالم الديمقراطي فهي ليست على حقيقتها. طبعاً لامُشاحة في أن يكون لمن أسميناه برجل الفكر انتماء أو موقف في حياته العادية من قضية ما مثار خلاف في المجتمع الذي ينتمي إليه ويعيش فيه.

في إطار عمله محاضراً في الجامعة، أو باحثاً في مراكز البحث الاجتماعي والسياسي، أوكاتب مقال في صحيفة رسمية أو شبه رسمية أو مبرمج إذاعي لحوارات ومناقشات تلفزية تُعبر عن توجهات الدولة والمجتمع. عليه أن يتجرّد من هذه الميول ويبتعد عن أحكام القيمة، وعليه أن يلتزم بالموضوعية التي تعني اتخاذ موقف محايد تجاه نسق القيم وهو المبدأ الذي سماه فيبر: "مبدأ التحرر من هيمنة القيم".

المتابع مثلي بحكم المهنة الصحفية السابقة والاختصاص العلمي لحال الكتابة العربية السياسية في الصحافة يلحظ أنها صارت كتابة، بدون مرجعيات فكرية عالمة في الاقتصاد السياسي، خبيرة في العالمثالثية تمثلت في رحيل مفكرين كسمير أمين الذي نظرّ في المركزية والطرفية والاقتصاد الخراجي، وإسماعيل صبري عبدالله برؤيته الاقتصادية للتنمية. كما غيبّ الموت علماء اجتماع مرموقين في قضايا التغيير الاجتماعي كأنور عبدالملك والسيّد يسين أو في علم الاجتماع المعتقدي كسيّد عويس، أو في علم اجتماع نقد الذهنيات كهشام شرابي، وإدوارد سعيد، وعبدالكبير الخطيبي، وفي مجال تأريخ الأفكار يبدو غياب محمد أركون وتقاعد عبدالله العروي وحسن حنفي وهشام جعيّط مؤثراً.

كما أن فقدان عقلية نقدية في مستوى فؤاد زكريا وعالم سياسة كحامد ربيع وجغرافيا سياسية كجمال حمدان بدون تعويضهم جميعاً مبعث أسىً وكربٍ.وفي الأدب أين لنا ملكة نباهة في السياسة جلّتها كتابات توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ولويس عوض وغيرهم. بل أين لنا صحفيون في مقالاتهم ثقل المعرفة والخبرة كغسان تويني، وأحمد بهاء الدين، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد سيّد أحمد.

ما كشفته بجلاء أحداث ماسمّي بالربيع العربي أن فقر الفكر ظهر مرضاً عضالاً عاماً. وأن تغيير رأس السلطة ممثلاً في الدكتاتور وعائلته وبطانته اللصيقة به، لم يمس بالتغيير البنية المجتمعية التي تنتج الدكتاتورية. سواء من جهة استعادة العسكرتيرية عدوة التفكير ومفقرّته وتمريرها من جديد للسلطة عبر المؤسسة العسكرية التي ساهمت في إنجاح أحداث التغيير الشعبي أو من جهة أخرى مخالفة إيصال الاستبداديات الدينية المجهلّة بالسلفيات النكوصية، والمفقرة من ثقافة التعاطي مع المدنية والعصرية عبر انتخابات الديمقراطية التي لاتؤمن بها التي امتلأت صناديقها فقراً فكريا فاذحاً.
كاتب السياسة الليبي، المفترض وجوده، هو غير موجود في ميدان الكلمة الصحفية، وبما أنه لم يثبت مؤهلات جدارته، أو المخذول وغير المرغوب في وجوده من طرف المتصدرين المشهد السياسي بلاجدارة. فتوكل عنه بالنيابة الكاتب الصحفي في البلدان التي لها مصالح في ليبيا، والذي، وإن عارض توجهات حكومته أو رئاسته في السياسة الداخلية، فإنه يتواءم مع السلطة الحاكمة في بلده في مسألة الأمن القومي.أما الصحفي الآخر الذي تستقطبه بالمغريات المادية صحافة بلدان الثورة أو بالأحرى الفتنة المضادة للانتفاضة أو الثورة أو ثورة التحرير الشعبية من الدكتاتورية، فهو الآخر يكتب عن ليبيا التي لايعرفها أو التي لايهمه التعرّف عليها.

هل ثمة من بديل؟ نعم يوجد البديل في صفحة ربما تكون وحيدة في البراح الليبي للفيس بوك، يرى المسؤول عليها أنه لا ضرر من مناقشة كل الموضوعات التي أرهصت لما فيه ليبيا منذ 2014 من نزاعات وانقسامات وحرب، وأنه ليس هناك شئ لاوقت لنقاشه، فالحرب حتماً ستعقبها مفاوضات سلام، فلابد أن تكون الأجندات واضحة فيها لتناول كل المواضيع الحساسة، فالليبيون الذين سيمثلون الليبيين بجدارة مقبلون على مفاوضات، طويلة ومضنية وعسيرة، لاستعادة الدولة وإعادة بنائها على أسس سليمة وبرؤى جديدة: تتجنب أخطاء الماضي التي ارتكبها الآباء والأجداد والتي أدت مضاعفاتها إلى ما فيه الليبيون الآن من عناء، و تٓحُول دون تكرار عثرات الحاضر المتسم بسفك الدماء والخراب والدمار والنزوح والتهجير.

وهذا اليوم الذي يبدو بعيداً وهو قريب سيفسح المجال للأدباء ذوي المواهب الإبداعية أن يتفرّغوا مثلما كانوا عليه قبل 17 فبراير 2011 لكتابة إبداعهم الذي توقفوا عنه. ويستلم الكاتب الذي يملك مؤهلات الكتابة في سياسة ليبيا وجدارتها مهمته، والذي لاينحاز للوهميات والتعصبات، ولا يخضع لظروف الضعف البشري والذي يقرأ من كتاب ليبيا وليس مما يكتبه له الأغيار.