Atwasat

كلمة مرور

جمعة بوكليب الخميس 12 ديسمبر 2019, 12:44 مساء
جمعة بوكليب

لو أن الله القدير يمنحني صبراً، وسعة صدر، ووقتاً إضافياً، صدقة من عنده ورحمة، لربما سارعت بتأليف كتاب شامل حول دلالات «كلمة المرور» في عالمنا المعاصر. فقد تبيّن لي، مؤخراً، وبالتجربة، أننا نعيش، حالياً، في عالم تقني محكم، ومقفل الأبواب، وأن الدخول إليه، بغرض العيش فيه والتعايش معه، يتطلب حفظ العشرات من كلمات المرور.

ما دعاني للتفكير في الموضوع هو أنني، ذلك الصباح، كنت في محادثة هاتفية مع موظف قسم خدمات الزبائن التابع للشركة التي تزودني بالخدمات الهاتفية حول مشكلة لاحظتها في فاتورة الدفع المرسلة إليَّ. وحيث اكتشفت، بالصدفة، أن الشركة تزيد في القيمة الشهرية واجبة الدفع دون تفسير ولا تبرير. خلال المكالمة المذكورة، سألني الموظف بأدب عن كلمة المرور السرية الخاصة بي، والتي تجعله يعترف بشخصي بأني صاحب الحساب موضوع المكالمة. لكني فشلت في تذكر كلمة المرور. فرفض الموظف الحديث معي، رغم إلحاحي عليه بعدم إنهاء المكالمة، واستعدادي لتقديم كافة المعلومات المتعلقة بشخصي. لكنه رفض.

حين أقفلت المكالمة، وفكرت في الموضوع تبيّن لي أن الموظف كان على حق. وأنني أتحمل المسؤولية كاملة عن رفضه التحدث إليَّ، لفشلي في حفظ كلمة المرور اللازمة. وكان من الأولى بي أن أحتفظ بمذكرة صغيرة، أدوّن فيها كلمات المرور، لكل الجهات والمؤسسات التي أتعامل معها وأحتاجها في حياتي اليومية، والتي من شبه المستحيل حفظها جميعاً، خاصة لشخص مثلي يسير مترنحاً من ثقل السنين والهموم والأحزان على كاهله.

المرءُ منّا في حاجة إلى كلمات مرور لدى تعامله مع حسابه المصرفي على الإنترنت. وفي حاجة لحفظ الأرقام السرّية الخاصة ببطاقات السحب المصرفية. وفي حاجة لحفظ كلمات مرور إن حاول إنجاز معاملاته الإدارية والضرائبية مع المجلس البلدي، على الإنترنت، بدلاً من تضييع الوقت في قطع المسافات، والانتظار في طوابير تبدأ ولا تنتهي. وفي حاجة لكلمات مرور لحاسوبه الخاص، ولمواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وغيره، وأيضا للبرامج التي يحرص على متابعتها في الإنترنت، ولمتابعة الصحف المشارك بها، و..و..و... إلخ. أي أننا نعيش في واقع حياتي مفاتيحه تتكون من كلمات مرور وأرقام سرّية لكل شيء. ومن أراد العيش في هذا العالم، عالم الإنترنت والتقنية، لابد له، شاء أم أبي، من القبول بالتعامل مع مفاتيحه، وكلمات المرور أحد أهم مفاتيحه.

وأعتقد أنني لا أبالغ إن قلتُ إن أدمغتنا صارت كمخازن معدّة لتخزين كلمات مرور من كل الألوان والأشكال والأحجام واللغات. فما إن ينهض المرء صباحاً من فراشه، ويبدأ نهاره بفتح جهازه المحمول للاطلاع على ما فاته من مكالمات، أو رسائل، وصلته، في الليلة الماضية، فإنه مضطر لاستخدام كلمة مرور، أو رقم سري لفتح جهازه المحمول، وكلمة مرور أخرى للعبور إلى حسابه البريدي. وإن أراد بعدها متابعة ما فاته، وهو نائم، في الفيسبوك، أو تويتر فإنه مطالب بتقديم كلمة المرور لتفتح له الأبواب.... وغيره.

لو أن الله القدير يمنحني صبراً أيوبياَ، ووقتاً إضافياً للاستمرار في الحياة على سطح اليابسة، فإنني، بالتأكيد، سوف أتمكن من إنجاز الكتاب المأمول خلال عام أو اثنين، من الآن. وسأحاول من خلاله أن أثبت أن التكنولوجيا التي جاءت لترفع العديد من الأثقال والأحمال عن كاهل الإنسان نجحت في ذلك، لكنها من جهة أخرى، أحضرت معها أثقالا وأحمالاً مختلفة، وأولها كلمات المرور. البعض من أصدقائي حريصون على تدوين كل كلمات المرور التي يتعاملون بها في مذكرات في أجهزتهم الهاتفية. وهذا أمر طيب ومحمود. لكن ماذا لو تعرضت هواتفهم إلى الضياع أو إلى السرقة أو القرصنة؟

أذكر أنني، مرّةً، كنتُ أتبضع في سوق كبيرة. ولدى انتهائي من شراء ما أحتاجه من سلع، وقفت على المحصّل المالي. كان المحصّل يكتب كل أثمان السلع بخط يده على ورقة، ثم بعدها قام بعملية جمع الأثمان، وطلب مني دفع المبلغ الكامل لما اشتريته من سلع. فعل كل ذلك، في وقت كانت تتوافر أمامه على المكتب آلة حاسبة. فاستغربت وسألته عن السبب وراء عدم استخدام الآلة في عملية المحاسبة. قال لي، دون تردد، إنه لا يريد أن يعلم عقله الكسل!

قبل زمن الهواتف الذكية والحاسوبات وغيرها مما قدمته التكنولوجيا لنا من أدوات واختراعات، كان الناس يعتمدون على عقولهم، وعلى ذاكرتهم في الشؤون الحياتية. لكنهم، في عالم اليوم، تخلوا عن ذلك طوعاً، لعدم حاجاتهم إلى ذلك، وتركوا للتقنية تدبر تلك الأمور نيابة عنهم، وكأنهم تخلصوا من قيود كانت تمنع عقولهم من الانطلاق والتحرر من أعباء لا حاجة لهم بها، فإذا بهم، دون أن يدروا، يستبدلون ما عرفوا من قيود بأخرى جديدة.

إذا كان للتخلف أثمان، وخسائر باهظة، فإن للتقدم، أيضاً، أثماناً لابد منها. أي أننا سندفع في الحالتين. وما دمنا سنفعل ذلك، فمن الأفضل لنا أن ندفع لصالح تقدم الحياة البشرية وتطورها، ولا بأس علينا لو تطلب الأمر إرهاقنا بحفظ المزيد من كلمات المرور.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات