Atwasat

الصوت الأسود

سالم الكبتي الأربعاء 04 ديسمبر 2019, 08:13 مساء
سالم الكبتي

(... وعلى قمة ذلك النصب أستطيع أن أشاهد رجلا أبيض وآخر أسود يضع كل منهما يده فى يد الآخر) ــ فرانز فانون.

في السادس من ديسمبر 1961 عبر الجثمان الحدود التونسية إلى داخل الأراضى الجزائرية المحتلة. حمله رفاقه في الثورة والنضال. وهناك عند التلال وسد في القبر وسط الكثير من الشهداء. وصيته كانت أن يدفن في الجزائر. بعد معاناة مع سرطان الدم توفي فرانز فانون فى أحد المستشفيات الأمريكية. أنهى تصحيح مسودات كتابه الأخير (معذبو الارض). قدمه له سارتر. وصار وثيقة مهمة وإنجيلا للثوار والمعذبين فى تلك الأعوام.

فانون ابن جزر الأنتيل. ولد بها عام 1925. مستعمرة فرنسية. ونال بعض التعليم. وعانى من مرارة التمييز العنصرى. اللون الْأبيض يحتقر اللون الأسود. يستفزه ويتحرش به. شاهد ذلك عن قرب عندما التحق بصفوف الجيش الفرنسي عام 1944. رأى كمية الاحتقار التي تنهار من الفرنسيين لأولئك الممنتسبين لصفوف الجيش، من أبناء المستعمرات وأغلبهم عرب من الجزائر ومراكش وتونس. المهانة تلاحق الآخر. عربي أو غيره. تلك حضارة أوروبا. مثلها وقيمها التي تدعيها وتنهار عند أول منحنى في الطريق. يتساوى الأغراب من غير الفرنسيين الأقحاح في المعاملة القاسية. كانوا يعتبرون غير بشر فى نظر الجنرالات الكبار وسواهم من المستوطنين. النظرة العنصرية التي تجرح النفس والقلب معا. يهان الإنسان دونما مبرر من أخيه الإنسان.

بعد دراسته للطب النفساني وتخصصه فيه صار طبيبا لذلك المرض فى مستشفى بليده بالجزائر. اقترب من الفخاخ. جاء من الأنتيل يحمل أغلال تلك النظرة القاسية. يرسف خلالها. ولتكتمل الصورة فى الجزائر عندما تتأكد المعاملة نفسها. والنظرة نفسها. كأنه استبدل حذاء بحذاء. وفي المستشفى لم يستطع الصمود أمام حالات القهر والتعذيب النفساني والجسدي والعاهات التي طحنت أبناء الجزائر على الدوام وجعلت منهم حطاما بشريا. وبالقدر نفسه سقط الكثير من السادة الذين مارسوا ذلك القهر. المعذب والمعذب. استوت الحالات. وغاب الإنسان والضمير.
فانون. الجزائر. النضال والتضحيات. ماذا يريد هذا الزنجي في تلك الجبال والغابات. ترك المستشفى وحالات القهر. من المجدي أن يلتحق بصفوف الثورة وتم الأمر عام 1956. ألهبت الثورة فى الجزائر حماسه مثل الكثيرين فانضم إليها.

أضحى صوتا للثورة. المثقف الطبيب الذي ينشر المقالات والبحوث فى صحيفة المجاهد. يستقر في تونس اعتبارا من العام 1959. صار اسمه (عمر إبراهيم فانون) ومنحته الحكومة التونسية جواز سفر بهذا الاسم وظل يتنقل به. وعندما علا صوته فى الصحيفة والمذياع عبر الجبال والميادين والمقاهي لاحقته عصابة اليد الحمراء. تعقبته عند الحدود الجزائرية المغربية. انفجار لغم هائل نجا منه بأعجوبة.

وحين وصل إلى روما للعلاج نجا أيضا من محاولة لاختطافه. كان محل ثقة الثوار جميعا. أعجب به بن خده وبن بله وبومدين. وكل مثقفي مقاهي باريس وجامعاتها. سارتر وسيمون دي بوفوار. اختلف مع بعض اليسار الفرنسي. كانوا متذبذبين فى تأييد الثورة ومع البير كامو الذى هتف عام 1958 بعدم تخلي فرنسا عن الجزائر! عينته الثورة سفيرا لها فى غانا عام 1960. اقترب من نكروما وسيكتورى وسنجور ولومومبا الذى ولد مثله عام 1925 ورحل فى مؤامرة اغتياله فى مطلع عام 1961. وفانون رحل مثله أيضا في نهاية العام. واحترم نضال بورقيبة وأثنى عليه وكذا محمد الخامس. وفي كل الأحوال ظل موضع الانتباه والترصد من المخابرات الفرنسية. حاول أن يزود الثوار فى جبهات القتال بالجزائر بإمدادات عبر الصحراء من مالي. بنى كما تشير المصادر الموثقة قاعدة لإمداد الولايتين الواقعتين جنوبي الجزائر. انطلق فانون ومجموعة من رفاقه:(فى بعثة استكشافية لهذا الغرض. ولكن رجال المخابرات الفرنسية كانوا متيقظين وانتهى الوفد بوصول أفراده إلى غرف التحقيق فى بير حكيم).. أجل. عندنا فى ليبيا.. جنوب طبرق. تلك الأيام التي مضت.

هذا الزنجي الإنسان. الصوت الأسود. الضمير. ماذا يريد. نظر للثورة. دعا إلى تبني العنف في مواجهة أشكال الظلم. ومثل الكثيرين على امتداد المنطقة حركت مشاعره الجزائر. مثل إقبال أحمد الباكستاني. مثل مفتاح الهنديانى الليبى. مثل نورالدين الأتاسى وإبراهيم ماخوس ويوسف زعين من سوريا. والكثير. لم يكن شيوعيا أو ماركسيا. كان إنسانا. كان ضميرا للْإنسان المظلوم والجريح فى كل بقاع الأرض وظلت جذور العنصرية تدمي قلبه بلا انقطاع. حذر من تبعات نجاح الثورة وسقوطها فى يد الانتهازيين والديكتاتوريين وأعداء الإنسان. استبدال الطغاة بالطغاة. تغيير الاستعمار الأجنبى بالاستعمار المحلى والوطني. هذا ما حدث في أفريقيا وفي كل مكان أيضا. لم تجد الثورات صوتا يضخ المباديء والمثل والقيم. صارت الثورات مثل مكبات القمامة. مثل الدكان الذي يحمل نفس البضاعة. مات فيها الإنسان الحر الشريف. والثورات دائما تستهوي الرجال أصحاب التضحيات وفي نفس الدرب مضى الطبيب جيفارا. وريجيس دوبريه المثقف وآخرون وصلوا إلى أغوار الأردن وتلال لبنان مع فتح والجبهة الشعبية.

لكن الثورات عصرها في الجبال وحروب العصابات انتهى أو يكاد. أضحت الثورات في الشوارع واللافتات وأيام الجمع وميادين المدن. ينفجر العالم ويتحرك ضد الفساد والحرمان والجوع ورأس المال المستغل. ثورة جديدة. دماء جديدة. أصوات جديدة فى وجه الأحزاب ومراكز النفوذ والتسلط. زلزال بدأ ولن ينتهي.

تدفق الأنهار. يتساقط المطر تهاجر الطيور. تنتشر الأغانى والقصائد. وتبقى الثورات في الجبال البعيدة منذ زمن ظلالا خلفية من بعيد تضيء الساحات والميادين.

لو كان فانون حيا لشرع في نضاله ضد العنصرية الجديدة التي يمارسها البيض ضد البيض. قبائل وجماعات وأصحاب مصالح. البيض ضد البيض لاغير هم الآن معذبو الأرض.

انتهى ومضى عصر السود والزنوج.. يا أيها السادة البيض!!

 

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات