Atwasat

الموجة الثانية من الربيع العربي: حراك متواصل

أحمد الفيتوري الثلاثاء 03 ديسمبر 2019, 02:04 مساء
أحمد الفيتوري

1-

لما بدأ الربيع العربي 2011م، بدا لي أنه ربيع، وليس فصل حصاد، كنت أعرف، كما كل مهتم بالشأن الدولي، أن الميديا الدولية استعارت كنية "الربيع"، من "ربيع براغ" 1968م، ما لم ينته بحصاد ما إيجابي وواضح، بل باحتلال سوفيتي، لخصته صورة الشاب التشيكسلوفاكي، المنتصب رافعا يديه في مواجهة دبابة.

وبطبيعة الحال استرسلت الخطرات على خاطري، فراجعت ثورات العالم في العصر الحديث، منذ الثورة الفرنسية، ثم الروسية، فالصينية، فجنوب أفريقيا، وبالتوكيد الثورة الفلسطينية.

لذا إصراري وحتى عنادي، أن الربيع العربي بدأ 2011م، ولم ينته بعد، ولذا لم أر نهاية لهذا الربيع، كما جاءت به نخب متنوعة التوجهات، حيث عللت نكسته فنهايته، بأنْ ليس لديه برنامج، فقيادة حزبية ما، ثم تورط بعضهم، في نزعة لاتاريخية، ولاعقلانية، فعدوا الخلل بنيويا، حيث العرب لاديمقراطيين بالخلقة!، وعليه ثورتهم مجرد هوجة كائنات غير عاقلة!، وبهكذا عنصرية، ظهر بعض من حاملي أكياس الكتب، في أدمغتهم العاطلة.

المفاجأة ضربت كالصاعقة العالم، حين طلع العرب في ثورة، كما لم يحدث في تاريخهم الحديث، فدمغت هذه الثورة بالربيع، لكن سرعان ما تراجع قطيع من النخب، بعد أن دخلت الثورة في معارجها، هذا البعض كان يبتغي الحصاد، وكما فوجيء بالربيع، باغتته الولادة العسيرة، لكن المفاجاءة الكبرى عند المباغتين دوما، ما تصوروا انحساره، نهض في موجة ثانية، ما هي تعلل أن الثورة، أي التغيير الجذري، ليس انقلابا عسكريا، ما اعتادوا تلقيبه بالثورة.

وهذا ما بينته الثورة، ما تعيشها شعوب المنطقة منذ 2011م، وقد يكون من محاسن الصدف، أن دعيت هذه الثورات بالربيع العربي، ما استعير كما أشرنا من (ربيع براغ)، ما كشف أن تشيكوسلوفيا (دولة محتلة)، فسرعان ما أعلنت دبابات الاتحاد السوفيتي ذلك، وتقريبا التشابه، رغم الفوارق.

ما كشفت عنه نتائج الثورات العربية، من أنها دول مصيرها ليس في يدها، فالمستعمر لم يخرج بعد، وأن الحكام المحليين المطلقي السلطة، بمثابة وكيل للحاكم الحقيقي، المستعمر، كذلك كشف ما خفي عن الكثيرين، أن هذه البلدان التي لم تنجز تحريرها بعد، أن الوكيل أدخلها في حروب أهلية على السلطة، تقاتل وانقلابات وفساد، حيث أصبح يزدهر الخراب، كما ازدهر في الجزائر منذ استعمارها 1830م وحتى الساعة، وفرنسا تجني من ذلكم الثمن النفيس، وتدفع لأجله الثمن البخس، فكل ما سرق من الجزائر يذهب لبنوكها، وطبعا هذا إضافة لما يذهب علنا، بطريقة معتادة، مشروعة في عرف الإمبريالي الفرنسي.

2-
خابت تصورات، وخيبات الكثيرين في الربيع العربي، لقد ظن الظانون، أن داعش يقبر الشعوب، من عاشت في وطن سليب، وأن الحروب الأهلية، المقبرة التي لن تجعلها تتنفس.
وإذا بالحاصل أن البلدان، ماذاقت ويلات الحرب الأهلية، تقود موجة الربيع العربي، فالجزائر ما عاشت العشرية السوداء تنتفض، والسودان ماتعيش هذه الحرب منذ عقود البشير، تنتفض، وتنتفض أيضا لبنان، ما مكبلة بنتائج حربها الأهلية، منذ اتفاق الطائف.

أما العراق من حررته قائدة العالم الحر، ثم دفنته في حرب أهلية توجتها بداعشها، أما هذا العراق، فيدفع فوق فاتورة تحرير أمريكا له، أكثر من 400 شهيد لأجل تظاهرات سلمية، ضد وكلاء الولايات المتحدة في العراق، وفي إيران من سلمتها شئون العراق. وإيران أيضا يدفع أهلها، في الموجة الثانية من الربيع العربي الكثير، كما دفعوا في الموجة الأولى، أما ما دفعه السوريون وما يدفعونه، فقد انعكس على الدولة (الدينية اليهودية) في المنطقة، ما هي جيتو، يضم أوربيين استبعدوا من بلدانهم، على أثر ما عرف، بالمسألة اليهودية في أوروبا.

لقد صبغت هذه الثورات منذ أول 2011م، مفهوم الثورة ما طبيعتها هدم القديم المهتريء، وتحرير البلدان من قيودها، وليست مجرد برامج إصلاحية ترقيعية، تتصورها وتضعها نخبة، من التكنوقراط المرتهنة للسلطة القائمة، كما رفضت قيادة أحزاب معارضة، قادتها يرأسونها كما السلطة المطلقة.

بهذا يبين، وغيره الكثير،العالم القديم، قلب العالم، الشرق الأوسط، أنه منطقة صعبة المراس، ولهذا تخوض فيه الإمريالية العالمية، كل حروبها الأخيرة. وما أختزله في مقالة صحفية مبسطة!، تجسده الميادين فالشوارع، وحتى الساعة لم يتم دراسته وبحثه، وذلك لأنه في العصر السبراني، وعصر ربيع الشعوب القديمة، لا تفيد النهج والأساليب العتيقة، لدراسة ما يحدث، خاصة وأنه يحدث بتدفق وقوة، ومنعرجات غير مسبوقة، ويستعين في هذا باللغة الرقمية، ما تتمظهر كعالم افتراضي، تمارسه وتعيشه البشرية، لكن ما تعرفه عنه أقل مما يفعله فيها.

لقد انقلب السحر على الساحر، فهذه الموجة من ثورات الشعوب التي تعم الأرض، ليست الموجة الأخيرة، فكما لم تكن الموجة الأولى إلا البداية، فإن الموجة الثانية ليست الأخيرة.