Atwasat

نبضات متقاطعة 11- الطفرة

محمد عقيلة العمامي الإثنين 02 ديسمبر 2019, 12:15 مساء
محمد عقيلة العمامي

عندما تعينتُ في نظارة الأشغال العامة في نهايات الخمسينيات، كنت حينها تلميذا في السنة الخامسة الابتدائية، بمدرسة الأمير الابتدائية، مجرد صبي طموحه انحصر في الدراجة (القوماجروص) التي وعد بها السيد محمد سالم العبيدي ناظر الأشغال، إن واصلت الدراسة الليلية. ولما استلمت أول مرتب، الذي كان أقل من سبعة جنيهات بقليل، وسلمته إلى سي عقيلة، بناء على تعليمات السيد ونيس الجبالي باشكاتب المصلحة، فهو الذي سلمني مظروفا يحوي المرتب، وقال: "طول! سلمه لسي عقيلة، وسأتأكد من ذلك حال وصولي إليه" ، وسمح لي بالمغادرة قبل انتهاء الدوام.

ذلك اليوم لم يذهب سي عقيلة إلى مقهاه من بعد وجبة الغداء، فلقد انعقد مجلس الطوارئ برئاسته وعضوية جدتي زمزم وابنتها وافية.

كانت السبعة جنيهات ثروة حقيقية، لأن كل ما كان في البيت من أثاث، ومؤن بما في ذلك قدر القديد، وحزمتا الثوم، والبصل، و "جروا البكيوا" فالقرع، يصبر محتفظا ببذوره، أما الطماطم، وكذلك الفول والبزلاء وبضعة منتجات أخرى تجفف في موسمها، وتقدد فوق أسطح المنازل! كل هذه الخيرات مع (ليان) الألمنيوم، الذي نغتسل فيه، وموقد الجازولين (السبيراتيرا ) والملاعق والساطور، وأيضا (مسحان النحاس) القطعة الثمينة التي بقيت من هدايا عرس جدتي زمزم؛ كل هذا كان لا يساوي السبعة جنيهات! التي بسببها قامت أول طفرة في قطعة من مدينتي، مساحتها 8X 5 هي مساحة (حوش دقيق) في شارع محمد موسى رقم 33.

كان الاجتماع طارئا لدراسة اقتصادية ممنهجة للتصرف في هذه الثروة! ومع ذلك رفع الاجتماع، من بعد (فيتو) من زمزم صاحبة المنزل التي بمقدورها أن تنقلنا بكلمة واحدة إلى دار في منزل سي رمضان القرقوري في شارع نبوس! فلقد كان كل نقاش بين والدي وجدتي يصبح جدالا ينتهى بهبِّ سي عقيلة واقفا، رافعا سبابته متوعدا جدتي المتقرفصة أمامه ويقسم بالطلاق ألا يقضى الليلة في ببيتها! فتقوم أمي، وبهدوء شديد، بلف البطاطين والمخاد وننطلق نحو شارع نبوس. ولكن ما أن تشرق الشمس، حينها يكون سي عقيلة في مقهاه، حتى تنساب جدتي نحو مرقدي؛ تصحيني، وترشوني بملاليم، أو حلوى الديك، لأنطلق نحو مقهاه، في رأس الشارع، وأقنعه بالعودة إلى شارع محمد موسى، لأن العفاريت أقامت ليلة صاخبة فوق رأسها بمجرد أن صفق سي عقيلة الباب وراءه، إنها تعلم أنني سأقنعه لأنها تعلم بتأثيري عليه، ناهيك أن القروش إيجار الغرفة، قيمة تربك مصاريفه!.

ولكن الله ستر ذلك اليوم، إذ يبدو أن سي عقيلة حسبها بعقل، وتعمد ألاّ يفسد فرحة وافيه، التي لا يستكين إلاّ وهي تسخن له ما تبقى من وجبة الغداء عند عودته من بعد العشاء بقليل!.

انتهي الاجتماع بتخصيص جنيه لمصروفي الشهري، وجنيه لشراء سروال كاكي و(فنلة) منشف بيضاء، وحذاء من باتا بتسع وتسعين قرشا، أما الباقي تحتفظ به جدتي زمزم للشهر التالي لتستكمل القيمة المطلوبة لخالي محمد حمد العمامي بتكلف أخيه منصورمسئول (شيشمة)، أو حنفية سيدي حسين العمومية، بإتمام إجراءات توصيل المياه لمنزلنا، فلقد كانت جدتي تحلم باليوم الذي تنساب فيه المياه من حنفية تخصها، نكاية بالمقيرحي الذي كان يقفل حنفيته بقفل "بو ثلاث طقات" من بعد أن تعبئ كل العائلات التي تسكن معه، (جلوني) الجيش الإنجليزي، الذي انتشر من بعد رحيل جيشهم وكان يباع بخمسين قرشا في سوق التركة. ولا أحد بمقدوره أن يؤجر غرفة عند المقيرحي مالم يكن يمتلك جلوني، أو يشتريه منه!. أحيانا تنفد مياه زئرنا قبل مجيء وراد الشارع، فكانت تنطلق إلى منزل الفيتوري، وتعبئ حاجتها من هناك، وتترك المقيرحي يتحرق شوقا أن يذلها؛ "نموت عطش.. ونبلع لساني ولا نطلب منه نقطة ميه !" كذلك كانت تجيب عندما أسألها لم لا تأخذ حاجتها من (شيشمة المقيرحي) الأقرب لها.

توصيل شبكة المياه إلى أي منزل في ذلك الوقت، لم تكن بالأمر الهين، هذه الأمور البسيطة هي في الواقع بداية طفرة، لأن وصول المياه مباشرة إلى أي بيت، من مواسير الشارع، يعني انتهاء مهمة (الوراد) وبحثه عن مهنة ثانية، وانتقال صاحب الوصلة، من مستوى طبقي إلى آخر. مثل هذه النقلة حدثت في بيوت كثيرة، في مطلع الستينيات، وهي جزء مهم من تداعيات هذه الطفرة، فارتفاع المستوى المادي مهما كان بسيطا ستترتب عليه تغيرات كثيرة في بنية أي مجتمع. إذ يصبح الاغتسال أسبوعيا مثلا وليس شهريا، والذي كان أحيانا – من العيد للعيد - وسوف تختفي مهن وتتبرعم مهن أخرى. غير أن الأهم هو الانتباه إلى أهمية الدراهم، ودورها في تحسين الأحوال، وأيضا في قبح سطوة الطمع!.

يصعب كثيرا حصر ما استجد، وما تم التخلي عنه، ناهيك عن ضروريات تفرضها طبيعة تطور الدولة، ولذلك انتقائي لمسألة المياه قد يبرز ما الذي أقصده بالطفرة، التي في تقديري، أنها تزامنت مع مضاعفة المرتبات سنة 1962 وتحديدا من بعد تصدير أول شحنة بترول من ليبيا.

فعلى سبيل المثال، وليس التعميم، انتقل بعض من رجال الدولة إلى أحياء أخرى تميزت برقيها، فتشكلت أحياء اعتبرت، في ذلك الوقت راقية، وبات واضحا سلوك وهيئة رجالها وأطفالهم، بل ونسائها أيضا؛ فقبل تصدير النفط، تقول المصادر كان في بنغازي أربع نساء ليبيات فقط سافرات، أما الباقيات، إما بعين واحدة يبصرن بها الدنيا من خلال العباءة، أو (الجربي) ذي اللون الأسود، الذي يغطي الجسد كله، أو (البيشا) وهي قطعة قماش أسود كانت حينها تغطي وجوه المدرسات، وبعض المستنيرات، وكان المجتمع يعتبرهن من (السافرات)!.

كانت هذه الأحياء (الراقية) موجودة ولكنها كانت مقتصرة على الأجانب، وأغلبهم كانوا من رجال الدولة البريطانية أثناء إدارتها لليبيا، قبل نيلها لاستقلالها، ولكن من بعد رحيلهم انتقل إليها رجال الدولة الليبية.

في الحلقة القادمة سنرد أمثلة واقعية عايشتها كشاهد عيان.