Atwasat

«وحدة العقل العربي الإسلامي»

عمر أبو القاسم الككلي 2 يوم
عمر أبو القاسم الككلي

أصبحت دراسة التراث العربي الإسلامي، منذ حوالي قرن ونصف، قضية ملحة، وشاغلا معرفيا للمثقفين العرب المهتمين بالتنوير والانطلاق، في هذا المسعى، من التراث العربي الإسلامي نفسه، وإن بمناهج بحث غربية.

لا يتسع المجال الآن، ولا تؤهلنا قدراتنا المعرفية والمنهجية، لسرد تاريخي لبدايات هذا التوجه. لكن المشاريع الأبرز ظهرت منذ بداية السبعينيات مع د. محمد عابدي الجابري، ود. حسين مروة، ود. حسن حنفي (وهذا ليس ترتيبا تاريخيا، ولا تفاضليا).

ولعل المشروع الأكثر شهرة بين هذه المشاريع هو مشروع د. محمد عابد الجابري المعنون «نقد العقل العربي» ولم يضف صفة الإسلامي.

هذا المشروع نتج عنه، مشروع آخر ناقد ومراجع لهذا المشروع، وهو مشروع جورج طرابيشي المعنون «نقد نقد العقل العربي».

وبغض النظر عن الانتماء الديني من عدمه (إذ إن د. محمد عابد الجابري ينتمي إلى أصول إسلامية، بغض النظر عما إذا كان يعتبر نفسه مسلما أم لا، وأن جورج طرابيشي ينتمي إلى أصول مسيحية مشرقية، بغض النظر أيضا عما إذا كان هو شخصيا ملتزما بالعقيدة المسيحية أم خارجا عنها) فإن معيار تناول هذه القضايا هو علاقتها بالعلم، وليس بالدين، حتى لو كانت تتناول مسائل دينية.

ما يهمنا هنا من مرتكزات مشروع الجابري مرتكزان:
* تقسيم المعرفة العربية الإسلامية إلى ثلاثة أنظمة معرفية، وهي: عقل بياني (= خطابي، بلاغي، ديني) وعقل عرفاني (= صوفي= غنوصي) وعقل برهاني (= منطقي، فلسفي) وهو، لدى الجابري، أرفع هذه العقول شأنا وأهمها إنتاجا. في حين يمثل العقل العرفاني أدنى هذه الأنظمة لتعامله مع اللامعقول.

* تقسيم العقل العربي إلى قسمين: قسم مشرقي طبيعته البيان والعرفان، وقسم أندلسي- مغربي يرتبط بالبرهان.

فالغرب والشرق لدى الجابري لا يمثلان «مقولتين جغرافيتين، بل هما مرفوعان عنده إلى مقولتين ابستمولوجيتين، أي مقولتين تحددان النظام المعرفي للعقل بما هو كذلك. فما ينتمي إلى الغرب يمثل مبدأ المعقولية في أعلى أشكاله: البرهان. أما ما ينتمي إلى –الشرق فنصيبه من مبدأ المعقولية مخفوض إلى مرتبة البيان، هذا إن لم يتردَّ إلى مرتبة أكثر تدنيا، هي مرتبة العرفان – المملكة السفلية للامعقول – في حال إيغاله في التشريق صدورا عما يمكن اعتباره ‘‘شرق الشرق‘‘" (1: 11)».

كما إن الجابري يوزع أنظمته المعرفية توزيعا قوميا: «نظام معرفي لغوي عربي الأصل، ونظام معرفي غنوصي فارسي الأصل، ونظام معرفي عقلاني يوناني الأصل»** (1: 12).

في هذا الإطار يخصص جورج طرابيشي كتابا كاملا من حوالي أربعمائة صفحة، هو الكتاب الثالث في سلسلة كتبه النقدية لمشروع الجابري، بعنوان «وحدة العقل العربي الإسلامي» يعارض فيه مرتكزي الجابري هذين. يخلص فيه إلى أن «ما يغيب عن وعي الابستمولوجية الجابرية هنا أمران، أولهما أن طريقة الحفر الابستمولوجية ما وجدت أصلا إلا لكي تلغي التراتبيات – التي هي بالضرورة ذات طابع أيديولوجي – في مضمار نظرية المعرفة؛ وثانيهما أن البيان والبرهان والعرفان ليست أنظمة معرفية قائمة بنفسها، بل هي، بالنسبة إلى العقل العربي الإسلامي على الأقل، آناء من نظام ابستمي واحد، آناء متعاضدة في الغالب أكثر منها متعارضة» (2: 404).

وإذن، فليس ثمة قطيعة ابستمولوجية، كما يلح على وجودها الجابري، بين هذه الأنظمة المعرفية، ولا توجد، بالتالي، قطيعة ابستمولوجية بين المشرق والمغرب العربيين الإسلاميين. فـ "دوائر العقل العربي الإسلامي متحدة المركز، سواء أكانت بيانية أم برهانية أم عرفانية، [وهذا] معناه أن النظام الابستمي لهذا العقل واحد. وبالتالي ما كان لهذا العقل أن يشهد أي قطيعة ابستمولوجية مهما تمايزت عبقريات الأشخاص وعبقريات الأماكن" (2: 405).

المصادر والهوامش:
* يشير الرقم الأول إلى رقم المصدر في القائمة أدناه. ويشير الرقم الثاني إلى رقم الصفحة المأخوذ عنها.

1- جورج طرابيشي. العقل المستقيل في الإسلام؟. ط2. دار الساقي بيروت – لندن. 2011

2- جورج طرابيشي. وحدة العقل العربي الإسلامي. ط3. دار الساقي بيروت- لندن. 2010

** النص نقله طرابيشي عن: د. محمد عابد الجابري. التراث والحداثة. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،. 1991، ص 142.