Atwasat

انتصار الأمل في برلين

جمعة بوكليب 5 أيام
جمعة بوكليب

يوم 9 نوفمبر الجاري تحتفل المانيا والعالم بالذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين. أتذكر ذلك المساء، عقب رجوعي من العمل، وأنا جالس على أريكة في غرفة المعيشة أحتسي قهوة ساخنة، وأتابع على شاشة التلفاز المواطنين الألمان في ذلك المساء الخريفي، وهم، غير مصدقين، يعبرون بوابات الجدار، أمام عيون الحراس وفوهات بنادقهم، قادمين من الجزء الشرقي للمدينة في طريقهم إلى جزئها الغربي الذي كان محظوراً عليهم، بوجوه يغمرها الفرح والبهجة: من كان يصدق أن يأتي يوم وينهار فيه ذلك الجدار سيء الصيت، ويعود المغتربون إلى ديارهم وأهاليهم، وذويهم، وتختفي الحدود والحواجز المفروضة بقوة السلاح، ولتخرج إلى العالم، من جديد، ألمانيا، بعاصمة واحدة، موحدة؟

جولة أخرى يخسرها المراهنون على كسر شوكة الإنسان، وإجهاض الأمل في قلبه. نهار آخر يشرع فيه التاريخ أبوابه على مصارعها ليدخلها الإنسان منتصراً على القمع والطغيان والجبروت، وليسجل خسارة أخرى مريعة للآيديولوجيا المسخرة لقيادة الناس، من أنوفهم، بسلاسل الطغيان إلى كابوس صُوّرَ لهم على أنه جنتهم الموعودة على الأرض!

رياح التغيير التي بدأت مبكراً في صيف ذلك العام في بولندا والمجر وتشيكلوسلوفاكيا، وصلت إلى برلين الشرقية في الخريف، لتسقط رياحها عرش ايريش هونيكر أولاً، زعيم الحزب الشيوعي الألماني، ورئيس الدولة منذ الانفصال عن المانيا، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم تنتقل أخيراً لتأتي على ما تبقى من عروش صغيرة، وأغصان قديمة ظلت معلقة في التاريخ بقوة السلاح، والبوليس السري، والمعتقلات والسجون. وحين انتهت من ذلك تحركت باتجاه المركز في موسكو، فوصلته في العام التالي، وأزاحت من على خريطة العالم إمبراطورية الاتحاد السوفياتي، وليكتب، بعدها، فوكاياما نهاية التاريخ.

الثورة التي أطلق عليها اسم رياح التغيير بدأت من مدينة في المحيط - بولندا، وسارت باتجاه المركز - موسكو، بعكس ما حدث عام 1917، التي أرخت لانطلاق الثورة البولشفية من مركزها في موسكو، ثم تدرجت في الانتقال إلى المحيط. وحين تمكنت من ترسيم حدودها الجديدة، بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت موجة الحرب الباردة، تلك الحرب التي أحالت العالم إلى ميدان قتال ضار، استخدمت فيه الدعاية، والثقافة، والفن، والأدب، والإعلام، لسنوات طويلة، أرهقت الشعوب، وجعلت العالم يعيش مسكونا بالخوف من نشوب حرب نووية.

تلك الحرب الطويلة استنزفت المعسكرين المتحاربين، إلا أن وطأتها كانت أشد على المعسكر السوفياتي اقتصاديا، فأنهكته، وتعطلت مصانعه، وتقلص إنتاجه، وظهرت على ملامح وجهه علامات التعب وعلى جسده الضخم علامات الرضوخ للواقع وللزمن. فبدا هرماً، واهناً، وقريباً من هاوية السقوط. العاصفة بدأت في بولندا، ثم انتقلت رياحها إلى البلدان المجاورة، وحين وصلت إلى موسكو، كانت المدينة مشتبكة مع حاضرها، ومشرعة الأبواب، في انتظارها.

آلاف من البشر في الجزء الشرقي من برلين، حاولوا تجاوز السور قفزاً، وحفراً للأنفاق، وطيراناً، ولم ينج من الهرب من السجن الكبير إلا قلة قليلة، في حين انتهى معظمهم قتلى بالرصاص، أوقضوا حياتهم في السجون. الذين غادروا الكهف كتبت لهم حياة أخرى، ومن ظل مخنوقاً في عطن هوائه كان عليه أن يقضي حياته حالماً بقدوم النهار الذي تنشق فيه الأرض لتبلع السجون والجدران، وحراس الآيدلويوجيا.

ذلك النهار الموعود، كان على بعد زلة لسان مسؤول في ألمانيا الشرقية، خلال مؤتمر صحفي، قبيل انهيار السور بساعات قليلة، وبعد إزاحة هونيكر من القيادة، أي في فترة تغيير مفاجيء، وسريع، ومربك. سأل أحد الصحفيين المسؤول عن التغييرات الأخيرة، وهل أصبح من حق المواطنين السفر. المسؤول أجاب بدون تدبر أو ترو أن من حق المواطنين السفر إلى الخارج فوريا. فما كان من المواطنين بعد سماع تصريحه سوى الخروج والاتجاه نحو البوابات، وبعضهم كان بملابس النوم. وفي البوابات ارتبك الحراس، وبدلا من أن يطلقوا النار لتفريق الحشود البشرية المتجمعة فتحوا البوابات. فانهارت دولة ألمانيا الشرقية.

الإنسان ابن شرعي للأمل الذي أوجدته الحاجة البشرية للحرية، وللحياة الكريمة، وللحب، والتفاؤل. ينمو كبذرة في القلب الإنساني، ويكبر بمرور الأيام والشهور والسنين. أحياناً، حين تغيم الرؤية، ويدب الضعف إلى البشر، يذوي قليلا، ويخبو، لكنه لا يموت، بل يظل ينوس بوهن وخفوت، كضوء شمعة في ريح. والساسة بقدر دهائهم يكون غباؤهم، لذلك فإنهم يتجاهلون قدرة الإنسان على مقارعة الموت والخسارة، ورفضه التسليم والإذعان، كما ترويها سيرته في كتب التاريخ، ويراهنون على موت الأمل في القلوب، وقتل التفاؤل في النفوس، ويعولون على الوقت الذي بإمكانه أن يجعل الإنسان يتعايش مع القيود، ويرضخ لاضطهاد السلطة لكرامته، على أمل أن يدوم لهم الحال، كما يتواصل دوران الأرض حول الشمس. لحسن حظنا أن غباءهم لم ولن يغادرهم، وأنه يتواجد دوما في اللحظات المناسبة ليسعفنا على التخلص منهم في زبالة التاريخ، غير مأسوف عليهم.