Atwasat

ميادين لبنان تقول: لا أستثني منكم أحدا

سالم العوكلي الأربعاء 30 أكتوبر 2019, 01:02 مساء
سالم العوكلي

ارتبط مصطلح (النظام) في الذهنية العربية بانطباقه على، أو توصيفه سلطة سياسية شمولية، عسكرية أو بوليسية أو ثورجية أو دينية أو قبلية وراثية، تمثل منظومة حكم قمعي يقف على رأسها شخص واحد متنفذ ومستبد برأيه، غالبا لا يتمتع بأي شرعية سوى وجوده على رأس الحكم بالقوة التي تضمن المبايعة، وهو امتداد لنظم حكم قديمة كان يستمد فيها الحاكم الأوحد شرعيته من تفويض من السماء، مما يؤدي إلى نوع من تقديسه أو تأليهه.

حين بدأت الثورات العربية في الشمال الأفريقي كانت التحاليل تتوقع انتقالها إلى كل المنطقة باستثناء لبنان الذي ترسخ في الذهن العربي كدولة ديمقراطية وحيدة لا يوجد فيها نظام بالمفهوم السابق يمكن إسقاطه، وإذ يخرج الآن الشعب اللبناني أو أغلبه إلى الميادين هاتفين بسقوط النظام، يرتبك المحللون وترتبك مؤسسات الحكم اللبناني المختلفة التي تلوذ بحجة عدم وجود نظام يطالب بإسقاطه، بينما المنتفضون يكشفون هذه اللعبة الديمقراطية التي تختفي خلف كواليسها الديكتاتوريات الناعمة.

النظام اللبناني، أو ما يسمى الطبقة السياسية الحاكمة، يتكون من ثلاثة أنظمة قمعية تمارس ما يمكن تسميته بالاستبداد المتعدد: نظام اقتصادي شبه إقطاعي تتوارثه عائلات معينة منذ استقلال لبنان نظام اجتماعي أبوي يمثله زعماء الأحزاب والطوائف، الذين ظلوا في واجهة المشهد لعقود طويلة أو ورثوا أبناءهم الحظوة، وحتى حين يخرجون من مؤسسات السلطة لا يمكن إخراجهم من مراكز النفوذ التي تؤثر في القرار السياسي - نظام سياسي طائفي يحاول أن يتنكر في هيئة أحزاب سياسية، معظمها يملك أذرعا عسكرية مسلحة تجعل لبنان على حافة حرب أهلية إذا فشلت أي تسوية سياسية أو اختل التوازن الطائفي كما حدث في الماضي، ومرجعية هذه النظم اكتساب شرعيتها من دستور طائفي يصادر على حق الأجيال في تجاوز الطائفية وإمكانية أن تتعلمن وتكون ضمن المشروع الحداثي الكوني، لذلك فملاذ السلطات تجاه مطالب الشعب إشهار هذا الدستور الذي يحفظ مكتسباتهم والمؤسسات التي تحتكر النفوذ بحجة تمثيلها لطوائفها، بينما المنتفضون اللبنانيون يظهر أنهم قد تجاوزوا هذه اللعبة وتجاوزوا الدستور التوافقي والمؤسسات الناشئة عنه.

الأحزاب أو الكتل السياسية الطائفية أو الميليشيات في لبنان تعتمد مبدأ المحاصصة في تقاسمها السلطات النيابية أو التنفيذية، وهذه المحاصصة تربك السلطة القضائية في أداء وظيفتها التي من المفترض أن تكون مستقلة، وفي تركيبة مستحيلة مثل هذه يجد الفساد تربته الخصبة للنمو والانتشار. ويجد الفاسدون المؤسسات ومراكز النفوذ التي تدافع عنهم ضد أي محاولة لردعهم أو ملاحقتهم، لأن الأجهزة الرقابية بكل أنواعها خاضعة للتجاذبات نفسها، ووسائل الإعلام تابعة في معظمها لهذه القوى الطائفية التي تتقاسم الغنيمة.

من جانب آخر؛ في قلب هذا المشهد الملتبس تتشكل دولة أخرى طفيلية على الجسد اللبناني، وتتورم وسط هذا المظهر الديمقراطي، مستفيدة من الخلل البنيوي في نظام المؤسسات الدستورية ومستفيدة من تأجيج المشاعر الطائفية، دولة مسلحة تضاهي بقوتها وسلاحها الجيش اللبناني الوطني، وتتلقى دعمها من دولة خارجية يعمل العالم الآن على عزلها تماما، وبعيدا عن السلطات الشرعية تتخذ هذه الدولة (حزب الله) قرارات سيادية مثل قرارات الحرب والسلم أو التدخل في مناطق أخرى. وهي دولة تعتمد نظام ولاية الفقيه مثل الدولة الداعمة لها في قلب عرض مبهرج لشكل ديمقراطي مزيف، لأن القرارات في الواقع تتخذ من قبل المرشد الأعلى المؤله والمقدس.

تفاعل حسن نصر الله مع كل الثورات العربية بشكل حماسي، وحين وصلت هذه الثورات إلى سورية الحليفة واجهها بالخطابات الساخنة ثم بسلاح ميليشياته الذي فتك بكثير من السوريين المطالبين بإسقاط النظام، غير أنه يرتبك الآن وهو يشاهد حلقات هذا الربيع تصل إلى عقر داره، ويسمع الهتافات تمس قداسته وقداسة حزبه المسمى على الله نفسه، في حالة تعد سياسي على لفظ الجلالة وإقحامه في صراعات سياسية قذرة. وهذا اللاوعي جعله يصف خصومه السياسيين بـ«الشياطين» في خطابه الثاني الذي تحدث فيه عن الحسين وكربلاء وعاشوراء، في مواجهة الجيل الذي يتحدث عن الـ«واتساب» ولبنان دون طائفية وعن الحياة والرفاه والكرامة الفردية.

لم يتوقع السيد نصر الله أن تظهر قرب شرفات بيته مظاهرات تطالب بإسقاط النظام السياسي برمته وتذكره بالاسم، حين اعتقد أنه إله مستثنى، وأن من المفترض أن يحمد على كل مكروه يصيب به استقرار لبنان، ما دام شعاره الرنان «المقاومة» يدغدغ وجدان عباده الورعين، لذلك خرج في خطابه منفعلا ومتوعدا الحشود بالفوضى والحروب والخراب، مثلما قال وفعل القذافي حين اكتظت الميادين تطالب بإسقاط نظامه وعهده الجماهيري. خرج يهدد المتظاهرين بإنزال (بلطجيته)، أو ما يسميه اللبنانيون (الزعران) إلى الميادين ومعلنا أن العهد السياسي (المقدس) لن يسقط، وما حدث أن بعضا من هؤلاء البلطجية نزلوا لمحاولة تعكير صفو الثورة اللبنانية السلمية، فاشيون بقمصان سوداء مثل بلطجية موسيليني، الذي في خضم تشدقه بالشعب والمجد الروماني علقه هذا الشعب من قدميه في الميدان العام.

تقبل رموز الطبقة السياسية الآخرون الانتقادات الموجهة إليهم وحتى الشتائم، لكن نصر الله المبعوث من السماء، الذي لا ينطق عن هوى، لم يتقبل هذا المس بالمقدس، لا هو ولا عباده المخلصون حملة الأعلام الصفر بقرب علم لبنان ونشيده الوطني، لذلك لن يكون في ردة فعله مثل حسني مبارك أو زين العابدين، لكنه سيكون مثل القذافي لأنه يشبهه في كل شيء. القذافي الذي كان بعمامته وعباءته الوبرية يتناقض مع المشهد الليبي في تلك الفترة، ونصر الله بعمامته القادمة من أعماق التاريخ المذهبي يتناقض كليا مع هذا المشهد اللبناني الحداثي الحالم بديمقراطية تحقق مبدأ المواطنة دون مرجعية مذهبية، الحالم بطاولة في المقهى يجلس عليها (سني وشيعي ودرزي ومسيحي وملحد) دون أن يعرف أحدهم مرجعية الآخر، كما كان المجتمع اللبناني قبل أن يتلاعب به الساسة وقبل أن تصدر له الثورة الإيرانية نماذجها وملاليها.

المفارقة في مشاهد الاحتجاج اللبناني الحضارية: أنه في بلاد أخرى تصطدم الديمقراطية السياسية بالتخلف الاجتماعي فتترنح، بينما في لبنان تصطدم الديمقراطية الاجتماعية بالتخلف السياسي.

وأخيرا؛ أقول لكل من: نبيه بري، وميشيل عون، وسمير جعجع، وحسن نصر الله، وغيرهم من الأوصياء على أجيال لبنان: أنتم أقدم من طغاة الأنظمة العربية التي سقطت وأنتم أضعف بكثير من: مبارك، وزين العابدين، والقذافي، وعلي صالح، والبشير، وبوتفليقة.... والحبل على الجرار.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات