Atwasat

السياج الدوغمائي (2- 2)

أحمد معيوف الأحد 27 أكتوبر 2019, 11:57 صباحا
أحمد معيوف

يستطرد "الرفيق" سيمو في وصف ما شاهده في "جماهيرية الانعتاق النهائي" فيقول: نعم هي الاشتراكية في أبهى حللها!! اجتزنا الحدود الليبية المخيفة. وها نحن نتجول في أول الطريق في هذا البلد غير المرئي. هنا يعمل الهاتف المحمول. بعد عدة كيلومترات ينقطع الاتصال لوقت طويل. لليبيا شبكتها الهاتفية الخاصة، ولكن الاتصال من خلالها بالعالم الخارجي مقطوع… لا تعمل إلا قناة حكومية واحدة، الأخبار السياسية كثيرة جدا. نقل الأخبار يسير من موقع أن ليبيا هي مركز العالم، وهي نموذج يُقتدى. معمر القذافي يظهر على شاشة التلفزيون بقدر معتدل. في الوقت المتبقي من الزمن على الشاشة يسير جرار زراعي، ومضخة تستخرج النفط. برنامج “ساعة ريفية” بالضبط كما هو الحال عندنا، امرأة مسنة تشرح كيفية غرس نخلة. وهذا كله معروف جدا لنا بتلفزيون السبعينيات في الاتحاد السوفييتي… لما خرجنا للتنزه خلف جدار السرايا الحمراء، كنا ببساطة مصدومين بحجم الخراب. ثلث المنازل غارقة في الأنقاض، قمامة مخيفة، تعوّد الناس على إلقائها كيفما اتفق، ولا يأبه لرفعها أحد على الإطلاق. ويمكن التساؤل من قصفها!؟ حسب علمي منذ الحرب العالمية الثانية لا أحد حارب هنا. يبدو أن الأنقاض والقمامة جزء أساسي خاص بطريقة تطور الحضارة المحلية.. المشي صار مرعبا.”

هذه الصورة على بشاعتها معروفة لليبين، هي بالفعل صورة "الجماهيرية البديعة"، فكيف يتسنى لبلد كهذا أن يقود مشروع توحيد قارة بمواصفات القارة الأفريقية التعيسة، والتي لا تختلف تعاسة دولها عن ليبيا؟. أليس الأجدر أن تجعل بلدك أولا أنمودجا لتبني عليه؟ أم أنك تعيش في وهم يصنعه خيالك؟ الحقيقة وضع "الجماهيرية البديع" لا يؤهلها لقيادة مشروع بهذا الحجم، لذلك لا أجد مصداقية في الادعاء بأن الغرب "الإمبريالي" تآمر على ليبيا لخوفه من هذا المشروع.

وفي حديثه أيضا قال كانت هناك العديد من الفرص لاستبعاد الحرب والوصول إلى حلول بين المتمردين والنظام، وقال: طالبنا العديد من المرات بإنشاء لجنة تحقيق دولية تحقق في المزاعم التي أدت إلى التمرد، كما طالبنا بقوة حفظ سلام أفريقية لإقاف القتال. ودعونا إلى مؤتمر ليبي يجمع الجميع بمن فيهم المتمردون للوصول إلى حل. طبعا، من السهل أن تسترسل في إنشاء ما تريد، وربما فعلا طالبوا بهذه الأمور لكن بشروطهم التي ربما لم تكن مقبولة من "المتمريدين" أو حتى الوسطاء. لكن هل غاب عن موسى إبراهيم خطاب العقيد الذي وصف فيه "المتمردين" بالــ "جرذان"؟!... وكيف هددهم في خطابه الذي أصبحت كلماته تتردد بسخريه على كل فم "زنقه زنقه دار دار".

موسى إبراهيم، كغيره من الموهومين، سجناء ورهائن السياج الدغمائي الذي أحاطوا به أنفسهم، وصدقوا ما أنشأ "كبيرهم" من معانٍ لا تمت إلى واقع الحال، بل حال البلاد يخالفه تماما كما ورد في شهادة "رفيقنا" سيمو، وفسروا ما يحدث حولهم بمزاج منظرهم صاحب نظرية "الانعتاق النهائي"، فاختلطت عليهم الحقيقة بالوهم، وحاولوا أن يصدروا أوهامهم على أنها حقائق وطالبوا غيرهم أن يصدقوها. مازال يتحدث عن "الثورة الخضراء"، وقد سبقت وأن أكلت هذه "الثورة الخضراء" أخضر ويابس هذه الأرض، وما يحدث الآن ما هو إلا نتاج الهدم الممنهج لأركان الدولة خلال العقود التي سبقت ثورة فبراير.

أستعير هنا ما جاء في مقال السيد عمر الكلكي "ما يرضعه العجل...." التي نشرت بموقع بوابة الوسط، حيث يقول، وأنا أتفق تماما معه: سياسة الإفراغ من المحتوى، والتشويش، وخلط الأوراق، كانت منهجا منظما، وعملا دؤوبا انتهجه النظام السابق، ممثلا في معمر القذافي، بإتقان لا لبس فيه، ما زلنا نعاين ونعاني آثاره التدميرية، ومازالت طاقته المنفلتة فعالة من حولنا، وفي أنفسنا. فمن إفراغ المؤسسات من مضمونها وتقويض أركانها، إلى خلط المفاهيم، وتمييع القضايا، إهمال المعايير، وإشاعة روح الاستسهال والاستهانة بكل شيء..... إن معمر القذافي ركز جهده واجتهاده على تنمية أسوأ جوانب الذهنية الليبية وإخصاب أسوأ ما في البيئة الثقافية الليبية."

السياج الدغمائي ليس حكرا على مؤيدي أنظمة الاستبداد، فهو نفس السياج الذي جعل الصهاينة يعتقدون بأنهم أمة مختارة رغم كل الشرور التي يرتكبونها، وجعل السلفيين يعتقدون أنهم خير أمة أخرجت للناس رغم كل التخلف الذي يعيشونه، وجعل الشيعة سجناء مظلومية الحسين، والجنس الأبيض سجين فكرة تفوقه العرقي، ومؤيدي المستبدين سجناء فكرة أن الإمبرايالية العالمية تحارب أنظمتهم.

ليس الناتو من قصف ليبيا، بل الهدم الممنهج والتدمير المقصود الذين مورسا على مدى أربعة عقود هو من قصف ليبيا. وللأسف لا زال السياج الدغمائي يحبس العديد من مؤيدي ذلك النظام وجعلهم يعملون ما أمكنهم على تقويض إعادة بناء الدولة، من خلال التنظيمات التي يصنعونها، والتي لا شك أنها مدعومة من بعض الدول كجبهة الثورة الخضراء، والجبهة الشعبية لتحرير ليبيا، والحركة الوطنية الشعبية الليبية. ومن أكبر مظاهر الانفصام عند هؤلاء أنهم يتحدثون عن الديمقراطية والحرية وكرامة الإنسان، وكأن نظامهم "الجماهيري البديع" لم يحطم هذه القيم مما استوجب الثورة عليه.