Atwasat

نقد المفاهيم

محمد خليفة الإثنين 21 أكتوبر 2019, 04:57 مساء
محمد خليفة

عند اطلاعي على مقالة الاستاذ عمر الككلي المعنونة "نقد على الهوية"، التي ناقش فيها ما كتبته أنا قبلها تحت عنوان "فضاء نقد النقد"، كان أول ما فكرت فيه هو عدم التعليق أو الرد، ليس لأن الموضوع لا يستحق وإنما لمشاغل أخرى. وبالرغم مما سلف غيرت موقفي لأن الحوار شيق، ونقدي، ومنضبط، وأكثر جدوى من حوار البنادق والمدافع حول العاصمة.

وسأبدأ من حيث بدأ الككلي مقالته "نقد على الهوية" حيث افتتح المقالة بعبارة للراحل نصر حامد أبوزيد يقول فيها: "حين يذكر موضوع الدراسات الإسلامية، يبدأ الناس يفكرون بالإيمان وليس بالبحث العلمي!"

وقبل مناقشة العبارة لابد لي من تحديد موقفي من نصر حامد أبوزيد وفكره: في الجملة يبدو لي أبوزيد مستشرقا (يدرس الإسلام من الخارج) أكثر منه مفكرا مسلما (يفقه الإسلام أصولًا وفروعًا). درس أبوزيد الإسلام بمصطلحات تعكس مفاهيم ومناهج غربية، والدليل على ذلك العبارة محل الاستشهاد فالإيمان عندي، أنا المسلم، من مواضيع البحث العلمي، وأبو زيد يخرجه من تلك الدائرة ضمنًا. ومثل هذا الموقف لا يمكن قبوله إلا أن يصدر عن بعض المستشرقين؛ فالتفرقة بين العلم والإيمان ينفع في أوربا لأنه منهجها المعتمد، ولا ينفع عندنا لأنه ناقض لمفهوم العلم عند المسلمين. ولتفصيل ما سبق من مجمل القول سأقوم بنقد مفهومين من المفاهيم التي يختلف فيها المسلمون عن غير المسلمين، وهما مفهوم العلم (أولاً)، ومفهوم المعرفة (ثانيًا).

أولاً. مفهوم العلم.
الوحي هو أول العلم عند المسلمين، واستبعاد الوحي هو أول العلم عند الأوربيين.

لماذا؟
لأن الوحي عند المسلمين هو القرآن/الكتاب العزيز الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد". أما الوحي عند الأوربيين فهو التوراة والإنجيل؛ وهما كتابان منزلان في الأصل، لكن أهلهما زادوا فيهما من الباطل ما جعل طبعة الإنجيل لسنة 1881 تحمل ثلاثين ألف تصويب، منها خمسة ألآف حتى يستقيم السياق ويتماسك (يمكن مراجعة الموسوعة البريطانية بالخصوص).

أبناء المسلمين الذين تدربوا على مناهج أوربية، وتتلمذوا على أساتذة أوربيين، ابتداءً من طه حسين وحتى نصر حامد أبوزيد، مرورًا بمحمد أركون، أصبحوا يحملون المفهوم الأوربي للعلم؛ أي يستبعدون القرآن كما استبعدت أوربا التوراة والإنجيل. وبالتالي أصبح القرآن أو الاعتماد عليه في الاستدلال حديث/منهج غير علمي، طبقًا للمعايير الأوربية.

ومما لا يقل سوءًا عما سبق وصف إدوارد سعيد لتلاميذ بعض المستشرقين بأنهم، رغم تعاليهم على أبناء جلدتهم، هم في الواقع مجرد مخبرين من ساكنة البلاد المستعمرة Native informants، ولاسيما عندما يجلسون عند أقدام أساتذتهم في الغرب. تعلم أبناء المسلمين في الغرب وجلوس بعضهم عند أقدام المستشرقين شوش المفاهيم وخلط المناهج حتى أصبحت التفرقة بين المسلم وغير المسلم عيبًا منهجيًا، بينما جوهر الإسلام قائم على ذلك، وقد أُلفت كتب في الملل والنحل (الشهرستاني وابن حزم) لتبيان اختلاف الإسلام عن غيره من العقائد والمناهج، واختلاف المسلم عن غير المسلم.

ومن نتائج البلبلة على مستوى المفاهيم والانقلاب على مستوى المناهج قلب جهود ابن حزم رأسًا على عقب قصد المساواة بين الحق والباطل. قام ابن حزم بنقد التوراة والإنجيل على أسس علمية-عقلانية قبل ألف سنة، فأخذت أوربا منهج أبن حزم وأعماله لتطبقها على التوراة والإنجيل بداية، ثم القرآن بعد ذلك، لتخرج الثلاثة من دائرة العلم، وبكل ما يمثله ذلك من تعسف على مفهوم العلم (عند المسلمين على الأقل). قلبت أوربا منهج أبن حزم للمساواة بين الحق (القرآن) والباطل (أساطير العهد القديم وتحريفات العهد الجديد).

أبناء المسلمين الذين تتلمذوا على أساتذة غربيين (مستشرقين وغير مستشرقين) تبنوا نفس السلوك ليكذبوا ما أنزل الله باسم "نقد النص" الذي يساوي بين التوراة والإنجيل والقرآن ويضع ثلاثتهم خارج دائرة البحث العلمي. هذه الغاية، والوسيلة المؤدية إليها، لا يمكن أن يقبلهما مسلم ويبقى مسلمًا! هذه النتيجة يقبلها غير المسلم لأنه يكذب نصوص التوراة والإنجيل عقلاً، ويكذب القرآن قبل أن يقرأه أو بالتبعية لتكذيب التوراة والإنجيل، فالقضية بالنسبة إليه ليست أن يكون أو لا يكون مسلمًا، فهو ليس مسلمًا قبل الاطلاع على القرآن وبعد الإطلاع عليه. جوهر القضية عند غير المسلم هي أن القرآن والتوراة والأنجيل من أسآطير الأولين!

عدم الاهتمام بنقد المفاهيم الأوربية قبل نقلها إلى الفضاء الإسلامي، أو الاكتفاء بنقلها على علاتها، لا يخلق بلبلة على مستوى مفهوم العلم وحسب وإنما على مستوى مفهوم المعرفة كذلك.

ثانيًا. المعرفة.
السؤال الذي يجعل مفهوم المعرفة عند المسلم يختلف عن مفهوم المعرفة عند غير المسلم هو الإجابة عن السؤال التالي: هل الوحي من مصادر المعرفة؟

جواب المسلم هو نعم: لأن الوحي عند المسلم هو القرآن.

وجواب غير المسلم هو لا: لأن الوحي عنده مستبعد لأحد سببين إما لأن القرآن عنده ليس وحيًا، وأنه من إنشاء كاتب ما، وإما لأنه يساوي بين التوراة والإنجيل والقرآن، دون اكتراث لحقيقة أن القرآن كتاب عزيز، جاء مهيمنًا على "الكتاب" كله، أي ناسخ للتوراة والإنجيل والشرائع السابقة.

هذا النوع من الفكر والممارسة العلمية بالمعنى الأوربي تجلى عند سيد القمني في محاضرة ألقاها في بروكسل (موجودة على اليوتيوب) وفيها قال "أنا لا أؤمن بوجود الجن". ومن باب فسر الماءَ بعد الجهد بالماءِ قال "أنا كافر". وأعتقد أنه فعل ذلك من باب "بيدي لا بيد عمر"، أو بيدي لا بيد شيوخ الأزهر بمعنى أصح!

قد يستهجن الإنسان موقف القمني، لكن رب ضارة للقمني نافعة للأمة: تصريح القمني بأنه كافر يقطع الطريق على المدافعين على المنهجيات والمواقف الناقضة للإسلام باسم البحث العلمي. البحث العلمي بالمنهجية الأوربية قاد القمني للكفر بوجود الجن رغم أن هناك سورة كاملة في القرآن (رقم 72) تحمل ذات الإسم: "سورة الجن". في هذه الحالة يكون الخيار أما تكذيب القرآن وإما تكذيب القمني. تكذيب أحدهما وتصديق الآخر هو معيار التفرقة بين المسلم والقمني في باب العلم والمعرفة.

أخيرًا؛ العلم والمعرفة مجرد عينة لما يحتاج مراجعة ونقد من المفاهيم - وهي بالمئات- حتى لا يظل الإسلام دون مفهوم محدد، أو حتى لا يتحول الإسلام إلى كلمة فارغة كما يتمنى خصومه. ولا ينبغي أن ننسى، في هذا السياق، الجهود الجبارة التي تبذل لإفراغ الإسلام من محتواه العلمي-المعرفي، وحصره في الجانب التعبدي الذي لا يزعج مشاريع أشد الناس عداوة للذين آمنوا.