Atwasat

ديمقراطية الانتخابات اليائسة

نورالدين خليفة النمر الأحد 20 أكتوبر 2019, 12:03 مساء
نورالدين خليفة النمر

تجري طقوس الديمقراطية في تونس. على رأي المثل "كلُ بلاد وعزاها". فرحيل رئيسها التسعيني الذي كان موته مؤجلاً، والإرباك الذي استجدّه في خطط الانتخابات النيابية والرئاسية، ألجأ الناخب التونسي إلى مايمكن التعبير عنه بانتخابات الديمقراطية اليائسة، التي عبر آلية التصويت العقابي حاكمت الأحزاب المتصدرّة المعارضة والسلطة والتي فشلت عبر سياسة التوافقات في تحسين الوضع المجتمعي، ولم تجدّد خطابها السياسي بما يتناسب مع مطالب التونسيين. فعجزت السياسات التي اتبعتها مُكرهة أو متقصدة مختلف حكومات سنوات مابعد الثورة. وقد تجاهلت ما طرحته من شعارات وأسئلة تختص بتحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية. وكانت النتيجة أن تمت صياغة شكل الأسئلة التي أُجاب عنها الناخبون بوضع ورقة تصويتهم الأخيرة والحاسمة لرئيس برز من المجهول. تتكون عناصر كاريزميته من الخليط الكيميائي لجاذبية شعبوية مكوّنها مزيج يساري وراديكالي تتخلّله نزعة إسلامية عروبية، تُنعش المخيال القديم المنافس للبورقيبية باليوسفية وهو خليط يذوب متناغماً بين النزعة اليسارية والمحافظة الأخلاقية.

إن المُفارقة في صعود المترشح للرئاسة قيس سعيّد، واكتساحه المشهد الانتخابي أن العناصر التي أنجحته مُترشحاً، ربما ستُفشله رئيساً:

ـ فالجديد الذي أضافه ومن صاغوا معه برنامجه أنهم نجحوا في التقاط اللحظة التاريخية الراهنة في مساءلة الديمقراطية المركزية القائمة على التمثيل على أساس القوائم الانتخابية، وطرح تصور يغرّد خارج السرب الحزبي العام. ولكن موقف الرئيس سعيّد من الأحزاب والقوى السياسية التقليدية هو في حالتيه عامل التحدي ونقطة الضعف. فالرئيس مترّشحاً أبدى رغبته في تعديل النظام الدستوري لتقوية سلطات رئيس الجمهورية وتعزيز الحكم المحلي، وهو ما يُمكن أن يحدث في حال تعثر تشكيل الحكومة جراء الاستقطاب الحاد المتغوّل في البرلمان. حيث سترفض الأحزاب الموافقة على تعديل الدستور الذي يتطلب موافقة الثلثين. وإزاء هذا الإشكال يرى البعض أن على الرئيس التعامل مع المنظومة الحزبية لتكوين أغلبية برلمانية مساعدة وليست معطلة لضمان نجاح مشاريعه.

ـ إضافة إلى ماسلف: أن القوة السياسية التي استمدها من ثقله الانتخابي عبر قاعدته الانتخابية التي قدرت بعدد أصوات ناخبي نواب البرلمان في الانتخابات التشريعية، ستساعد رئيس قصر قرطاج في تفعيل الدور الدستوري لرئيس الجمهورية وهو ما لم يحدث مع قائد السبسي باعتبار طغيان رمزيته على فعليته السياسية، وهذا الدور الدستوري المُجدد سيتيح للرئيس القادم مجالاً للمزايدة على الأحزاب حائزة الأغلبية التمثيلية في البرلمان . حيث سيلعب في بعض الأحيان دور المعارض المُقلق، كونه أقوى من كل الأحزاب الممثلة وغير الممثلة برلمانيا. ولكن الدستور التونسي الذي تتكئ عليه مشروعيته أقرَّ صلاحيات وسلطات محدّدة، أضعفت كاريزما الرئيس الراحل قائد السبسي، وستكون تحديا سيُنقص من الرصيد الانتخابي لشعبية قيس سعّيد، ويُشّل قدرته على الوفاء بمبادراته التشريعية التي طرحها أثناء الحملة الانتخابية. فالدستور التونسي يميل إلى مضاعفة صلاحيات رئيس الحكومة الذي تمتد مهامه إلى الخدمات، والاقتصاد، والخطط الحكومية، والتعليم. مقابل إضعاف سلطات رئيس الدولة الذي تقتصر مهامه على قضايا الدفاع والأمن والسياسة الخارجية. ويفرض هذا الخلل على الرئيس المنتخب الحالي التطلع إلى وصول شخصية متعاونة ومتفاعلة مع مشروعه السياسي إلى رئاسة الحكومة. وهو المتوقع الذي ربما سيخضعه لإكراهات الأغلبية الحزبية في البرلمان وسيفشله في تطبيق رؤيته المثالية التي تبناها واعداً بها ناخبيه.

إزاء هذه المضيّقات الدستورية والقانونية في السياسة الداخلية، ستكون السياسة الخارجية الفضاء الملجأ الذي تتنفس فيه شعبوية رئيس تونس القادم. ففي الدول التي تساعدها إمكانياتها البشرية الحضارية، والمادية أن تلعب دوراً سياسيا في محيطها، يكون المتابع من الخارج مهتماً بالرسالة التي يوجهها انتخاب رئيس الدولة إلى العالم الخارجي. حيث ستكون في الواجهة التوجهات الديبلوماسية السياسية والاقتصادية، الّتي يضع رئيس الجمهورية الجديد لمسته الأولى فيها. ولكن تونس بحكم ظروفها الجيوسياسية والاقتصادية ووضعها ووضع بلدان جوارها المحيطة بها، لايُنتظر منها مالاتقدر عليه، ولكن هذه الحقيقة لايعترف بها الرئيس الذي يتقمص الهالة الشعبوية، وهنا يلمع في ذاكرتنا التاريخية كمعاصرين فشل الرئيس بورقيبة الفادح، الذي ألجأته شعبويته إلى كاريزما مضادة للناصرية في مركز إشعاعها القومجي القضية الفلسطينية.

ففي المناظرة الممهدة للترّشح لمنصب الرئاسة، التي بثتها التلفزة التونسية في دورتها الثانية أجاب فيها المترشح المستقل الذي صار رئيس تونس، وبالمرور على الأسئلة الروتينية تم التطرق إلى الموقف من الأزمة الليبية. وفيما قاله المترشح قيس سعّيد الذي صار رئيس تونس لفتني النفس الشعبوي الذي غلّف به خطابه. فإذا اعتبرنا تصريحه رأياً ستبلوره سياسات لاحقة تعزّزها حيازة تونس لمقعد عضؤ غير دائم لسنة بمجلس الأمن في يناير المقبل لعام 2020، فإنه سيخرج الموقف التونسي من سياقه السابق مابعد 2011 حكومات وآحزابا وساسة ورؤساء، والمتفهم للقضية الليبية وحساب انعكاسها على الظرف التونسي، وتفاعله المنافعي معها مدّاً وجزراً عبر اتخاد تونس أرضية تقدم خدمات لوجيستية للمجتمع الدولي للتواصل مع الفاعلين الليبيين في مشهدية التأزم الانقسامي، وعبر النشاطية الاتصالية بأطراف الأزمة الليبية بالتنسيق مع الرؤية الجزائرية. وهو السياق الذي توّجته مبادرة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، الذي سبق رحيله انتفاء تفعيل مبادرته بسبب إزاحة المنظومة الحاكمة في الجزائر التي انكفاؤها في نفق أزمتها السياسية التي لاتُنذر بحلٍّ قريب نأى بها عن اهتمامها البرغماتي السابق بالقضية الليبية.

أما رأيه بشأن مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية فقد لخصه بأن شدّد على الاحتماء بالشرعية الدولية. مشيراً في ذلك إلى الاستعدادات لتنظيم مؤتمر في ألمانيا منتقداً عدم حضور الليبيين في قضية الشعب الليبي. وكأني به يعني أن حضورهم عبر ممثليهم المُعوقين سيُفضي لحلّ الأزمة مثل ما حلّها في مؤتمرات باريس وابوظبي، وباليرمو. القضية الليبية تمدّدت من المجال الانقسامي المصالحي، إلى المجال القتالي بمليشياتين أخدتا صفتي الجيشين التابعين لدولتين في بلد واحد. بل الحرب تمددت من سياقها الليبي ـ الليبي لتصير حرباً بالوكالة عن أطراف إقليمية تحرّكها وتمنحها غطاء المشروعية أطرافً دولية مازالت مُرتبكة في تحديد مصالحها في ليبيا المستقبلية.

ورغم المؤشرات التطرفية والمفارقة التي عكسها برلمانيا ورئاسياً المشهد الانتخابي التونسي الأخير. إلا أن ديمقراطية الانتخابات اليائسة تظل الوسيلة الوحيدة لتدوير السياسة والساسة، في يّد المجتمعات التي استعارت من الديمقراطية فقط انتخابات الواجهة. والذي يساعد في ذلك الديمقراطية التونسية بما لها وماعليها أن النسبة الانتخابية المُرّجحة شبابية راهنت البورقيبة وامتدادها الذي لم ينقطع على تعليمها وتثقيفها مدرسيا وتأطيرها جامعياً، بالمناهج والأساليب الغربية الحديثة التي رسّختها بيداغوجية الديمقراطية.