Atwasat

حزب المُرّتب

نورالدين خليفة النمر الأحد 13 أكتوبر 2019, 12:52 مساء
نورالدين خليفة النمر

يتبيّن المتابع من التوصيفات التي يسكّها المبعوث الأممي الأخير لليبيا إحباطاً متهكّما في صياغة المشكلات والمعوّقات، التي تقف عتبات أمام مهمته. من الذين يملؤون المشهد الليبي من الساسة الذين يفرضون اصطناعيتهم واقعاً. ودون شعور بإمكانية محاسبته من منظومة فكرية ليبية، ذات اختصاص علمي مُدّقق. تتطاول توصيفاته، التي يبوح بها في لقاءات صحفية مناحيَ سوسيولوجية وإناسية، ليس لديه خلفية معرفية بخصوصيتها الليبية. فقد سمىّ في مقابلة صحفية أخيرة له: الأطراف المقوضة للحل السياسي بـ "حزب الأمر الواقع"، الذي يضم جميع المستفيدين من الوضع الحالي، ويعمل جاهدًا على إبقائه.

ولكن المتتبع الليبي الذي له دراية معرفية واسعة بالخلفيات المجتمعية لهذا الإشكال التاريخي، سيمدّد اسم حزب الواقع، إلى حزب الواقع المفروض على ليبيا المنقسمة على نفسها، بل يمططّه في ائتلاف حزبي موسع إحدى تنظيماته العصبية "حزب المرّتب". وهو الحزب الذي تغلغل في المؤسسات السياسية المؤقتة، التي اصطنعت لإعطاء مشروعية للثورة عام 2011 كالمجلس الوطني الانتقالي، ومكتبه التنفيذي، ثم الجسمين المنتخبين المؤتمر الوطني العام 2012، الذي تقمص مجلس الدولة، ومجلس النوّاب 2014، ولجنة إعداد الدستور المُنتخبة بعشوائية الأقاليمية وعصبياتها القديمة، ثم المجلس الرئاسي المتبث باتفاق الصخيرات الذي أفرزته محاصصات وقبولات بالواقع العنفي على أرض وميادين المعارك. كل هذه الأجسام انتهى بعضها شكلياً، وبعضها جدّد ولايته في أجسام جديدة، وبعضه مدد صفته، كون المؤسسة النيابية العاطلة عن العمل لم تفصل في مهمته بالموافقة أو الرفض، وجسم انقسم على نفسه، ومن تبقى من أعضائه، هم يتولون نيابة عن الوزراء المكلفين المهمة التنفيذية لحكومة الوفاق. طبعاً لن نأبه بالأجسام الحكومية الموازية لأن لاشرعية دولية لها بل هي موضوعة في قوائم الاتهام الدولي. كل هذه المؤسسات فعلياً لاتعمل، ويتقاضي جيشها الجرار من أعضائها مرتباتهم، ومهاياهم، وامتيازات وظائفهم الوهمية من ريع النفط المُبدّد في صورة مرتبات للشعب الذي لايعمل في ليبيا العاطلة المُطبق فيها، ضمنيا، منذ عقود مبدأ العطالة: "شركاء في الريع لا أجراء".

يرجع التأسيس التاريخي لحزب المعاش، الذي تطوّر فيما بعد مجتمعياً وسياسياً إلى حزب المُرّتب بالتضامن بين الدولة الملكية والمواطن الليبي منذ 1964عام بدء تصدير البترول الليبي بكميات تجارية مجزية في شكلي الأجر اليومي للعامل والحرفي الفني، والمرّتب الشهري للموظف ومن الفئة إلى الدرجة في ملاك الوظيفة العمومية.

توطن هذا التوجه نحو الدولة الراعية فيما يحلّله الباحث والمخطط الاقتصادي علي عتيقة في كتابه "أثر البترول على الاقتصاد الليبي: 1956-1969 ) ـ منشورات دار الطليعة ببيروت ـ في المدينتين الكبيرتين طرابلس وبنغازي اللتين هيئتا اقتصاديا في الحقبة الاستعمارية الإيطالية، ولاحقاً عبر السياسة التوّطنية في العهد الفاشستي لتكونا مدينتين عصريتين، توفر لهما قطاع اقتصادي صغير ومتطوّر نسبيا، تمكّن إلى حد ما من استيعاب النشاط الذي استحدثته شركات البترول، الذي انعكس تأثيره على الاقتصاد الليبي، متمثلاً في زيادة في السيولة النقدية وتمركزها في هاتين المدينتين، ثم تحوّلها إلى زيادة في الطلب على السلع والخدمات في السوق المحلّي، مّما أدّى إلى اجتذاب عناصر الإنتاج وخاصة اليد العاملة الفلاحية الثابتة والموسمية من القطاع الريفي المُفقرّ والمتخلّف إلى مراكز التجمّع السكانية على الساحل الذي تمركز في طرابلس وبنغازي. ويبلور الباحث هذا التوجه، في رّدة الفعل الترضوية التي قامت بها الدولة الراعية ـ الريعية إزاء حقيقة صادمة وهي أن "النفط ليس مجالا اقتصاديا مثاليا لاستقطاب اليدّ العاملة حتى المدرّبة منها؛ فما بالك بالمنعدمة التدريب التي قذفت بها الأرياف والبوادي، في ظاهرة الهجرة أو، بالأحرى، الاقتلاع من الريف إلى المدينة في ستينيات القرن الـ 20 بطفرة النفط الليبية، التي كان انقلاب الملازمين الصغار في الجيش الليبي وغالبيتهم من الريفيين المقتلعين، أحد تجلياتها المشؤومة على مستقبل ليبيا، فيما نراه اليوم في هذه الفوضى المجتمعية العارمة.

الصحفي المصري محمد حسنين هيكل، الذي ابتعثه رئيسه جمال عبد الناصر ليلتقى يوم 2 سبتمبر 1969 في القنصلية المصرية ببنغازي بناءً على طلبهم شخصياُ له بعض الضباط الذين أعلنوا منها الانقلاب العسكري. يكتب في كرّاسة يومياته التي عرضها في قناة الجزيرة، ماقاله له رأسهم معبراً بضمير رفاقه الضباط: "بأنهم لايريدون أن يكونوا في شعب، يعيش دون أن يعمل، وأن عوائد البترول تكفيه، ربما هذه الرؤية عن شعب أفراده يحصلون على مرتبات دون أن يعملوا، هي وراء جملة كتبها الصحفي المصري أحمد بهاء الدين، في مقاله المُهين، حول مشروع تحاد الجمهوريات العربية الذي ضمّ مصر وليبيا والسودان، بأن ليبيا تحوز جيشاً من الموظفين، جلبت إزاءها ردّاً عاصفاً من رئيس تحرير جريدة الميدان في العاصمة طرابلس فكان مقاله وبالاً عليه، حيث قفلت جريدته قبل أن تؤمم جميع الصحف الليبية المستقلة عام 1971، وفتح أمامه طريق المنفى هارباً بترتيب من أول وزير للداخلية في تنظيم الانقلاب.
المُفارقة أن التوصيف المصري لم تناقضه إجراءت الحكومتين المصرية والليبية في استقطاب الجيش الجرّار من الموظفين المصريين وتوجيههم إلى ليبيا فيما عبر عنه كتاب الهجرة إلى النفط فتوغل، عدا الموظف وزوجته الموظفة، الأقارب الملحقون بعقود محلّية، في كل مفاصل الدولة والمجتمع عبر الوظائف الفعلية والمصطنعة.
انقطعت العلاقات الليبية ـ المصرية بسبب الحرب البينية واتفاقية السلام مع إسرائيل 1977. ولكن حتى عام 1980واصل دكتاتور ليبيا المُسقط بالثورة الشعبية، استغلال العمالة المصرية والعربية والأجنبية، في تنفيذ رؤيته إزاء جيش الوظائف الليبي، والعدوان عليه منذ الثورة الشعبية 1973، بداية بالعسكرة بتنفيذ نظام إحالة الموظفين لمدة خمس سنوات للعمل كعسكريين في القوات المسلحة، ثم التجنيد الإلزامي، ثم التحويل على المشاريع الإنتاجية الوهمية. والتشجيع على التقاعد المبكر، وتجميد المرتبات إلى سقف محدد بقانون رقم 15 الصادر سنة 1981. ولكن التطبيقات الاشتراكية لنظرية الكتاب الأخضر فيما يتعلّق بالقضاء على التجارة كظاهرة استغلالية، اضطر النظام إلى أن يدرج أعداداً ضخمة من التجار والبقالة وأصحاب المحلات في كادر وظيفة الدولة بالعمل في الأسواق والجمعيات الاستهلاكية التي تديرها الدولة ومدّدت نشرها بشساعة ليبيا. بعد الغارة الأمريكية 1986 بدأ التراجع التدريجي بالتلاعب عن السياسات الراديكالية خارجياً وداخلياً، حيث فتحت آفاق التربح الخاص فيما سمي بالتشاركيات العائلية والموزع الفردي، إلى عودة التجارة الخاصة تحت إجراءات مضيّقة من الدولة، في التسعينيات وعقد الألفية الثانية، الذي انتهى بالثورة الشعبية التي أسقطت عام 2011 النظام الجماهيري، في مكب الماضي، لتبدأ الحقبة الثورية التي أنتجت فوضوياتها وانقساماتها واقعاً ريعياً مُزريا، بترهل قطاع التوظيف في القطاع العام بتغوّل الفوضوية عبر انقسامية المؤسسات والمجتمعيات والأقاليميات. وهو ماصار عبر 5 سنوات يرهق ميزانية شبه الدولة في العاصمة طرابلس، لحيازتها الشرعية الدولية بانضواء مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط تحت سلطتها المُحاسبة دون غيرها المنافسات من مؤسسات المجتمع الدولي حسب البند السابع من قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والخاص بالتدخل عام 2011 في ليبيا.

بالتوازي مع جمود الحياة الاقتصادية بسبب تفاقم النزاعات الأهلية التي انعكست على إنتاج النفط بالتناقص والإرباك بفعل الابتزار والتهريب، تضخم التوظيف في الحكومتين في غرب ليبيا وشرقها، ومن لم توظفه من أهل الجنوب هذه توظفه تلك، فقد كشفت الأرقام وصول حجم التكدس في وظائف القطاع الحكومي نهاية عام 2018 إلى 1.8 مليون وظيفة. وأن قيمة الموازنة العامة، التي بلغت 31 مليار دولار تجاوز فيها حجم المخصصات لدفع رواتب القطاع الحكومي بموجب الموازنة إلى 17 مليار دولار، وهو ما يعني أن أكثر من نصف قيمة الموازنة يذهب لسداد مرتبات العاملين في قطاعات دولة المعاشات.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات