Atwasat

يا موت هزمتك أمي الجميلة

سعاد الوحيدي الثلاثاء 01 أكتوبر 2019, 02:39 مساء
سعاد الوحيدي

في كتابه «الغريب»، يفجعنا لا منتمي البير كامو بخبر وفاة أمه، وأن ذلك لا يعني له شئياً، وأن الأمر برمته لا يهمه... كما أن أشياء أخرى لا تبدو له ذات معنى.... التفاصيل التي طرزت منتوج التيار اللامنتمي في تلك المرحلة الفكرية، والذي كنت أقف على الطرف الآخر منه.. وأذكر أن جملة «اليوم ماتت أمي»، التي يفتتح بها الكتاب، اخترقت قلبي كوجع فجائعي، وأفرخت ملايين من الصور المرعبة عن اليوم الذي سأفقد فيه أمي. وكيف سيكون وقع وفاتها على قلبي المسكون بحبها حتى الثمالة؟!!

اليوم ماتت أمي، ورأيت قلبي ينفطر إرباً... انشق أمام ناظري باب الكون، وتبعثرت حبات النجوم كانفراط سبحة متعبد. تغطت الشمس بوشاح عتمة، وتوقفت العصافير عن التغريد، تشبثت صامتة بأعرف الكروم والنخيل وشجر الرمان والياسمين التي زرعتها يدها المباركة في حديقة البيت.... وأخذت تبكي معي. القمر أخذ يسقط حبات ثقيلة من الدموع على كفي... وكنت وحدي في قلب الليل أبكي أمي، وأفكر إذا ما سيحتفظ العسل بمذاقه بعد رحيلها، أو أن الماء سيروي عطشي، أو أن الخبز سيكون له ذات الطعم بعد «خبز أمي»...

ودعتها بالأمس حتى باب البيت، وكانت في طريقها إلى كندا، بلدها الثاني... مرحة سعيدة كطفلة تقصد حديقة ألعاب... ولم تأبه لصعوبة الطريق حتى مصراتة، وانتظار الساعات الطوال على كراسٍ قاسية، لتركب طائرة متأخرة ساعات طويلة عن موعدها...... ليكون موعدها أن تفارق الحياة على باب الطائرة. في مدينة غريبة، ليست بلدها الأم، ولا بلدها الثاني. وكان عليّ الانتظار أكثر من يوم ليعودوا بجثمانها للدار، وأقبلها للمرة الأخيرة قبلة الوداع.... أن أودع صديقة عمري، ورفيقتي في الرفض والثورة والنضال «سالمة خليفة الدالي».

ربما لم يسمع أحد باسمها من قبل، (رغم أنها كانت صديقة قريبة للعديد من كبار كتاب وأدباء وزعماء البلد...)، لكن ليبيا فقدت بحق برحيلها هرماً من أهرام العطاء الوطني النقي الوسع... فهي، أبعد من أنها قد منحت ليبيا عشرة أبناء، عشرة من العقول اليقظة،... كانت في ذاتها رمزاً لكل ما هو جميل وجليل في تاريخ البلد. وكانت قد رضعت، كما بنات جيلها، روح المقاومة، وروح الجهاد من أجل أن تبقى ليبيا وطناً وجنة. وهي ما فتئت تردد كيف كان للمرأة الليبية دوراً جوهرياً في مواجهة الاحتلال الإيطالي، وأنه رغم سقوط طرابلس في نهاية المطاف بين أيديهم، استمرت النساء تزرع في همم الرجال روح المقاومة، عبر سلاح استثنائي هو سلاح «الاستقالة».

من أمي تعلمت كيف أن «الاستقالة» من النظام جهاد، وأن القطيعة مع أجهزة الحكم مقاومة، وأن العزلة المُختَاَرة مقاومة. وكيف أنهم في طرابلس استقالوا تماماً عن الوجود الإيطالي، ولم يسمحوا لإدارته ولا لغته ولا سطوته أن تطال أهل «سوق الجمعة» كما تقول. وإذا كان الاستقلال تتويجاً لهذه المقاومة، إلا أنها سرعان ما ستواجه أنواعاً متعددة من العدوان، سوف تَخَلِّق منها كائناً فضائياً ينبض بالرفض والثورة حتى آخر العمر. حيث ستشهد سريعاً بعد الاستقلال على انتزاع أراضي الأب والجد لصالح القاعدة الأمريكية ويلز. وتحول ما بقي من أرض يتيمة إلى معبر لطيران الأمريكان، والسقوط المتتابع لطائرات التدريب على ديارهم، ووفاة العديد من أفراد الأسرة كل مرة. وكانت لا تفهم لماذا اختار القذافي اسم «معيتيقة»، لمطار ويلز القديم، (وهي طفلة عامل لديهم بالمزرعة)، لأن ابن أخيها «محمد الدالي» تفتت جسده تماماً، واضطرت والدته إلى أن تلتقط أطراف جسده في حجرها أثر ذات الحادث، (قبل أن تلحق به هي نفسها مقطوعة الأوصال أثر سقوط طائرة أخرى في مرة لاحقة). وودت لو أطلقوا اسمه على المطار.... وكنا نضحك كل مرة تطالب فيها بذلك.

أثناء الثورة (وهي من رموز ثورة ١٧ فبراير المجيدة)، فتحت بيتها الذي يقع على مسافة أقدام من مقر «اللجنة الشعبية العامة» / رئاسة مجلس الوزراء في نظام القذافي، غرفة عمليات للثوار. في ذاك المكان صنع أحد أبنائها آليات خاصة للاتصال الدولي، تناقلت عبره تلفزيونات العالم أخبار الثورة في طرابلس. ولم تتأخر بعدها في الانتقال إلى خط التماس مع الجبهات، لتفتح بيتها للثوار الذين كانوا يتوافدون عليها، لساعات راحة واستراحة. ولتشحذهم بغير الأكل والشرب، بحمم من الحماس والمقاومة. واستمرت هكذا حتى موعد «فتح طرابلس» لتدخل مع الثوار، وتحتفل بالعيد في بيتها الذي دخل التاريخ. بيت أمي «سالمة خليفة الدالي»...

كتب لها إبراهيم الكوني ليعزيني: «بلغنا بتعميق الأسى غياب الإنسانة التي نستجير بها كملاذ ما حيينا، فإن اغتربت تهدّدنا الهاوية، كما هو الحال مع الأم. وكل ما نرجوه أن تعوا في مصابكم هذا أنها لم تغب لا عنكم ولا عن الوطن، لأنها ببساطة حيةٌ فيكم ما حييتم، بل حيةٌ أبداً، لأن وهج الإبداع فيكم قيمةٌ لا سلطان للموت عليها»....

وكنت أود أن أقول للموت لماذا اختار ضعفي وقلة حيلتي وانكسار أوجاعي، ليأخذ أمي عن غفلة مني؟... لماذا اختار أن يتهددني بالهاوية هنا على تراب مُحرَّر، وقد عاندته طويلاً عبر كل الجبهات...

وأقول له كما قال محمود درويش: يا موت قد هزمتك أمي الجميلة، وقد تركت جيلاً يسبح لها، ويبدع باسمها.....