Atwasat

في ذكرى سبتمبر... هل من مجيب؟

آمنة القلفاط الأحد 22 سبتمبر 2019, 06:07 مساء
آمنة القلفاط

ترتفع الأصوات في مثل هذا الشهر في مدن عديدة داخل ليبيا احتفالاً بذكرى النظام الجماهيري. وإذ تبتعد تلك الحقبة مع مرور الوقت، يحرص أتباعها على مواصلة الاحتفال بها، مبرزين محاسنها، ومتغاضين عن أي مساوئ وعيوب، هذا إن لم يروها حسنة بالمطلق. يزداد الاحتفال زخماً مع الأول من سبتمبر من كل عام، مع غياب مفهوم واضح تجتمع المجموعات المحتفلة حوله. تبدو الأطراف على الضفة الأخرى، معادية ومستنفرة وناكرة لهذا اللون الذي يبدو نشازا في نظرها. فما معنى للون أخضر يجمع كافة المحتفلين في مناطق متعددة، ولا يجمعهم هدف عقلاني مقنع؟

يحن أنصار الشيوعية في روسيا إلى الاتحاد السوفيتي السابق، ويرون فيه المستقبل الحلم، والحياة السهلة مع مكتسبات اجتماعية كحق التعليم ومجانية الخدمات الطبية، هم يعتقدون بأنه ما كان لروسيا أن تصبح واحدة من قطبي العالم دون تطبيق الشيوعية.

يرى البعض في الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف البطل القومي الذي أطلق رياح التغيير، ووُصف بالإصلاحي الأكبر، وصوت الحكمة في روسيا. فيما يرى آخرون أنه أضاع امبراطورية الاتحاد السوفيتي.

شغل غورباتشوف منصب رئيس الاتحاد السوفيتي السابق في الفترة بين عامي ١٩٨٨-١٩٩١، انتهج خلالها سياسة العلانية والشفافية "الغلاسنوست" في إدارة البلاد، كما قدم خطة الإصلاح الاقتصادي وإعادة البناء "البريسترويكا"، تأسست سياساته الداخلية على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، مما يعنى إلغاء احتكار الحزب الشيوعي والسماح بتعدد الأحزاب، والعمل على استقلال مؤسسات الدولة وتقويتها. كان يقول دائما "على السلطة ألا تخاف من الشعب"

لقاء جهوده في إرساء السلام ودعم الحريات، منح جائزة نوبل للسلام، وتم منحه ميدالية أوتو-هان، والعديد من شهادات الدكتوراة الفخرية من جامعات مختلفة حول العالم. 

لم تسر مركب التغيير الذي انتهجه غورباتشوف كما أرادها، فقد واجهته مشاكل اقتصادية كبيرة، كرد فعل للتحول في اقتصاد السوق، كما تزامنت سياساته مع انهيار جدار برلين وخروج دول أوروبا الشرقية من العباءة الشيوعية، بالإضافة إلى كارثة مفاعل تشيرنوبل النووي. أدت هذه الظروف مجتمعة إلى نقمة شعبية على سياسات غورباتشوف الإصلاحية، واتهم "بفقدان الأهلية لقيادة البلاد" مما اضطره لإعلان استقالته.

في لقاء مع غورباتشوف، بعد تلك الأحداث بأكثر من عقدين ونصف، يقول لمحطة البي بي سي، أن ما حدث في بلاده كان انقلابا، وأن استقالته جاءت لمنع حرب أهلية كانت الظروف مهيأة لها، وفق قوله. وصف فشل تجربته بأن "هناك أشخاص تزعجهم الحرية، ولا يشعرون بشيء حيالها" وقد وصف روسيا الحديثة بأنها مسروقة من البيروقراطيين. لقد دافع عن منهجه. المنهج الذي يبدو أنه ظُلم من الكثيرين، ولم يُفسر القصور والسلبيات بمسبباتها الحقيقية، وأنه مخاض ولادة، لمجتمع الاتحاد السوفيتي، الذي يعاني اقتصاديا وسياسيا وآيدلوجيا في الأساس.

تنتشر مبادئ الشيوعية وتجد لها أنصارا، وإن بنسب متفاوتة في دول عديدة حول العالم. كما يعود الحنين لها، كلما هيمن افتصاد السوق وزاد التفاوت الطبقي بين الطبقات الاجتماعية داخل البلد الواحد. 

يختلط الأمر في مجتمعنا الليبي البسيط، كما يغيب الفهم الواضح لمجريات الأحداث، إذ تحن الطبقات الاجتماعية البسيطة إلى دفء مساعدات الدولة، كما أن التفاوت الطبقي الذي تسارعت وتيرته في السنوات الأخيرة مع انعدام المحاسبة وسرقة المال العام، جعل الكثيرين يعيدون تقييمهم لحقبة القذافي، ويشعرون بالندم على التفريط بالحياة المستقرة وبمستوى معيشي يكفي المتطلبات الأساسية. ليس لدى الجماهير المحتفلة بوصلة تجمع بينهم، عدا شعار اللون الأخضر، إنهم يفتقرون إلى وجود رؤية واضحة توضح مطالبهم، المقتصرة على تحقيق النزر اليسير من الحياة البسيطة. فيما يسعى قادتهم للوصول للسلطة، بأساليب، أقرب للفردية، دون المحافظة على شعارات قدوتهم، الذي طالما وصفُوه بالملهم والصقر الوحيد.

حركة اللجان الثورية التي أسسها القذافي، والتي سبق وأن ضمت مئات الآلاف من الأنصار والمؤيدين، تنص في قانونها الأساسي على أن الشعب هو صاحب السلطة. حركة اللجان الثورية هي المعول الأساس لكل ثوري، إذ لا ثوري خارج اللجان الثورية، ومن المفترض أن أنصارها قد شربوا فكرها، قولا وعملا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. إن قانونها ينص على نموذجية العضو الثوري قدوة ومسلكاً، دون انحراف أو طمع سلطوي. من مبادئها كذلك، اتخاذ الحوار والأسلوب منهج حياة في الدفاع عن الأفكار والدعوة لها. إنها تنبذ الولاءات الفردية والشللية والقبلية. إنها تؤمن بمفهوم الوحدة وأهمية العمل على تحقيقها. المشاهد للأحداث يلاحظ أن ذلك الإخلاص الذي كان، وتلك الجذوة المشتعلة والحماس المنقطع النظير لمقولات القائد، قد ذهبت جميعها أدراج الرياح، فلا الحركة لها تواجد حاليا ولا القيم المكتوبة بالدم، كما وُصفت من قبل، استمرت. ما حدث يؤكد أنها كانت مبنية على أساس واهٍ، فالأعضاء إما أن يكونوا منافقين لقائدهم، أو لديهم قصور في الفهم ... لم يكن أحد يتوقع أن تنتهي حركة كهذه بمجرد غياب قائدها، فعلى الأقل كان من المفروض أن تتواجد ولو على استحياء وتستمر، دون البحث عن مقابل للدفاع عن تلك المبادئ.

يبدو أن المشاهد على الضفة الأخرى، لم يجد ما يقنعه فعلاً. نحن أمام نقض للعهود، وبحث عن تحقيق مصالح الكبار. ويبقى السؤال، لماذا هذا الإصرار الشديد على عدم الاعتراف بالحقيقة؟